صاحبي استأمنه علي عرضه كاملة بقلم حكايات مني السيد

لمحة نيوز

حاجة؟
بصيت لأحمد، وبصيت لهند اللي بتبصلي بنظرة كلها خوف وتحدي في نفس الوقت.
أحمد كمل أنا عارف إني تقلت عليك، بس قولي الحقيقة.. في حاجة؟
في اللحظة دي، افتكرت كل اللي مريت بيه. الأمانة اللي بين إيدي، صداقتي لأحمد، والسر القذر اللي عرفته عنهم هما الاتنين. لقيت نفسي بقول بص يا أحمد، أنا قلبت في الموبايل كله، ومفيش حاجة تدين هند. الموبايل كان فيه مشكلة تقنية فعلاً، ومسح بيانات عشوائي بسبب فيروس، بس مفيش أي رسائل خيانة أو أي حاجة من اللي كنت شاكك فيها.
أحمد اتنهد، ووشه نور براحة بجد؟ يعني مفيش حاجة؟
رديت ببرود لا، مفيش حاجة.
أحمد بص لهند وضحك شوفتي؟ قولتلك إني ظالمك.
هند وقفت مكاني من غير ما تنطق، كانت مصدومة من قراري.
أحمد أخد الموبايل وشكرني وخرج هو وهند من المحل، وهو بيحط إيده على كتفها وكأن مفيش حاجة حصلت.
أنا قعدت على مكتبي، الموبايل لسه مفتوح قدامي على صفحة البيانات المحذوفة. مسحت كل حاجة نهائي، ورميت الجهاز في الدرج.
رجعت البيت، مراتي لقتني هادي بشكل مريب. قالتلي مش قولتلي عندك موضوع مش عايز تحكيه؟ اتحل؟
قلتلها اتحل يا مريم.. بس الحقيقة المرة دايمًا بتبقى أرحم من الكدب، وأنا المرة دي اخترت الكدب عشان أشتري دماغي، بس مش عارف إذا كنت هعرف أنام تاني ولا لا.
من يومها، علاقتي بأحمد بقت سطحية جداً. كل ما بشوفه بيسلم عليا وبحس إنه أسعد إنسان في الدنيا، بحس بذنب بيحرقني. أنا لا أنقذت بيته، ولا أنقذت حياته، أنا بس أجلت الانفجار.
عرفت بعدها بمدة إن هند فعلاً بطلت علاقتها دي، بس أحمد اتورط في قضية تجارة غير مشروعة فعلاً واتسجن سنتين، وطلعت هي اللي كانت مهدداه فعلاً وبدأت هي اللي تسيطر على المحل وكل حاجة بتاعته.
أنا اتعلمت درس غالي أوي.. إن الأسرار مش دايماً بتكون أمانة، أحياناً بتكون قنبلة، ومينفعش نتدخل في حياة الناس ونحاول نصلحها بأدواتنا، لأننا دايماً بنشوف جزء صغير من الصورة، والحقيقة غالباً بتبقى أبشع بكتير من خيالنا.
المحل لسه موجود، والناس بتيجي بطلباتها، وكل واحد بيجي بمشكلته، بس أنا بقيت أصلح الأجهزة وبس.. أي حد يطلب مني أرجع حاجة محذوفة، بقوله مقدرش. الأجهزة بترجع، بس الثقة؟ الثقة دي لو اتكسرت، مفيش سوفت وير في الدنيا يقدر يرجعها زي ما كانت.
حياتنا بقت مليانة تمثيل، أحمد بيمثل إنه ميعرفش حاجة عن خيانة مراته، ومراتي بتمثل إنها مش شايفة الهم اللي في عينيا، وأنا بمثل إني نسيت، وكلنا عايشين في دايرة كدب كبيرة، مستنيين اللحظة اللي كل واحد فينا يواجه فيها نفسه.
الدرس اللي طلعته من الحكاية دي، إن الإنسان مش دايماً محتاج يعرف الحقيقة عشان يعيش، أحياناً بتبقى الحقيقة هي اللي بتموتنا بالبطيء، والجهل بيها بيكون طوق النجاة الوحيد عشان نكمل باقي عمرنا.
أحمد مات بعدها بسنة وهو في السجن بجلطة، وهند خدت كل حاجة، وباعت المحل وهاجرت. أنا فضلت هنا، في المحل، بصلح في موبايلات الناس، وبفتكر اللحظة اللي كان فيها الموبايل في إيدي، والقدر كان معلق على كلمة واحدة مني.. كلمة واحدة كانت كفيلة تغير مسار حياة ناس كتير، بس يا ترى كنت صح؟ ولا كنت غلط؟ السؤال ده لسه بيطاردني كل يوم قبل ما أنام.
وعلى رأي المثل، اللي يعرف، يتغطى وينام، وأنا الظاهر إن الغطا بتاعي كان تقيل أوي، لدرجة إنه خنقني، بس ده كان اختياري، وده كان تمن الحقيقة اللي قررت أدفنها معايا.
بقيت لما أشوف راجل شاكك في مراته، أو ست شاكة في جوزها، بنصحهم نصيحة واحدة لو عايز تعيش مرتاح، متفتحش صفحات مقفولة، لأنك لو فتحتها، مش هتعرف تقفلها تاني.
الدنيا بتدور، والناس بتيجي وتروح، والبيانات بتتمسح وتترجع، بس الحكايات هي اللي بتفضل محفورة في الذاكرة، زي ملفات مكسورة مستحيل تتصلح، بتفضل موجودة في خلفية حياتنا، بتفكرنا بكل مرة كان ممكن نغير فيها المستقبل، بس فضلنا واقفين مكاننا، خايفين من الحقيقة اللي احنا نفسنا، كنا السبب في تخبيتها.
دي كانت حكايتي، حكاية الراجل اللي كان معاه مفتاح الحقيقة، بس خاف يفتحه، وقرر يعيش عمره كله، بيسأل نفسه لو كنت قولت الحقيقة، كان إيه اللي هيتغير؟
يمكن كان كل حاجة تتغير، ويمكن كانت الدنيا هتنهار أسرع، بس في الآخر، أنا عارف إني كنت جزء من اللعبة، واللعبة دي، مفيش فيها كسبان.
عشان كده، دلوقتي، لما حد بيجي يقولي ممكن ترجعلي الرسائل دي؟، ببتسم وأقوله الرسائل دي مكتوب عليها تروح، عشان تريح.. سيبها مكانها، يمكن أريحلك.
ومش بياخدوا بنصيحتي، وبيرجعوا يقعوا في نفس الغلط، ويحاولوا يدوروا على الحقيقة اللي هتدمرهم، زي ما أنا دمرت نفسي، وزي ما أحمد وهند دمروا بعض.
القصة انتهت، بس لسه في موبايلات كتير بتيجي المحل، ولسه في أسرار كتير مستخبية جوه الشاشات دي، وأنا لسه موجود، مستني، وبراقب، ومعايا سر، هيعيش معايا لحد ما أموت، وهيفضل هو الحقيقة الوحيدة اللي محدش هيعرفها غيري.. سر اللي حصل في أوضة المكتب، وسر اللي أنا قررت أخبيه، عشان أعيش، أو عشان أدفن نفسي بالحياة.
هكذا هي الدنيا، ديرة من الأسرار، ونا س بتحاول تعيش، والبيانات، مش بس مجرد ملفات، دي أرواحنا اللي بنسيبها على أجهزة الموبايل، ونفتكر إننا نقدر نمسحها، بس الحقيقة، إن مفيش حاجة بتتمسح، كل حاجة بتفضل محفورة، حتى لو مكنش حد شايفها، إحنا شايفينها، وعارفينها، وده لوحده، كفاية أوي عشان يخلينا نعيش في عذاب أبدي.
أنا راضي بقدري، وراضي بالسر ده، وأحمد خلاص راح للي خلقه، وهند الله أعلم بيها، وأنا.. أنا لسه هنا، في المحل، بصلح موبايلات الناس، وبحاول أصلح اللي باقي مني.
نهاية.

تم نسخ الرابط