أمي ضربت مراتي بالقلم بعد الولادة كاملة حكايات مني السيد حصري
ومشيت.
افتكرت إنها هترجع بعد كام يوم.
لكن بعدها وصلني إنذار دعوى طلاق.
مرت الشهور.
وبعدين سنتين.
كنت بشوف ليان ساعات قليلة، وفي وجود حماتي بس.
وأمي عمرها ما عرفت تشيلها في حضنها.
لحد ما في يوم...
أمي تعبت في قلبها.
وقالتلي بصوت مكسور
نفسي أشوف حفيدتي قبل ما أموت.
كلمت منى.
ما ردتش.
كلمت حماتي.
سكتت شوية وقالت
تعالوا الأحد... بس الأول لازم تشوفوا حاجة.
رحنا بيتهم في الشروق.
دخلتنا ممر طويل.
ووقفت قدام أوضة مقفولة.
طلعت المفتاح وقالت
قبل ما تشوفوا ليان... افتحوا دي.
أول ما الباب اتفتح...
أمي بصت جوا...
واتجمدت مكانها.
على ترابيزة صغيرة...
كان فيه طبق شوربة كوارع ناشف، متحفظ زي ما هو، وتحته ورقة مكتوب عليها
اليوم اللي اتكسرت فيه أمي.
وعلى الحيطة...
كانت مكتوبة بخط كبير الجملة اللي غيرت حياتنا كلنا
استحملي.
أمي فضلت واقفة مبرقة، عينيها طالعة لبرة وجسمها كله بيترعش. الطبق اللي على الترابيزة ما كانش مجرد بقايا أكل ناشف وعفن.. ده كان صنم معمول من الوجع والذل، محطوط في نص الأوضة كأنه دليل إدانة في قضية جنائية. والكلمة اللي على الحيطة.. استحملي.. كانت مكتوبة باللون الأحمر، خط منى اللي أنا حافظه كويس، بس المرة دي الخط كان مهزوز، كأن إيديها كانت بتترعش وهي بتكتبها، أو كأنها كانت بتنزف وهي بتمشي القلم على الحيطة.
حماتي أميرة وقفت ورا السرير اللي في نص الأوضة، حطت إيدها على وسطها وبصت لأمي بنظرة عمري ما هساها.. نظرة خالية من أي غل، بس مليانة قسوة تكسر الحجر. قالت بصوت واطي ومسموع
أهو ده الميراث اللي إنتوا سيبتوه لبتوعكم يا فندم.. دي الطوبة الأولى اللي بنيتوا بيها حياة البنت دي.
أنا رجلي ما شالتنيش.. قعدت على الركبتين على الأرض، ساند ضهري على الحلق بتاع الباب. كنت حاسس إن الهوا اللي في الأوضة اتسحب فجأة، مش قادر أخد نفسي. وبصيت لأمي.. الحاجة فاطمة اللي كانت دايماً بتهز البيت بصوتها وأوامرها، كانت واقفة دلوقتي زي العيلة الصغيرة اللي اتمسكت بتسرق. شفايفها كانت بتتحرك من غير ما تطلع صوت، ودموعها نزلت فجأة.. دموع مش بتاعة ضعف، دي كانت دموع صدمة من مواجهة الحقيقة اللي حاولت تهرب منها سنتين.
دي.. دي منى اللي عملت كده؟ أمي سألت بصوت مخنوق ومبحوح.
حماتي ضحكت ضحكة خفيفة، بس ضحكة توجع القلب
لأ يا حاجة.. مش منى. منى من يوم ما رجعتلي وهي ما بتنطقش الكلمة دي أصلاً. اللي عملت كده هي الأيام. منى لما جت هنا، كانت بتصحى بالليل تصرخ، كانت بتشوف في المنام طبق الشوربة ده كأنه سم هيركب في بطنها. بنتك كانت بتموت من التهاب الثدي اللي جالها بسبب الدسم والضغط العصبي، وإنتوا كنتوا بتقولوا كل الستات بيحصلهم كده. أنا خدت الطبق ده من شقتكم يوم ما جيت أخدها.. خدته زي ما هو كده باللي فيه، عشان لما تكبر ليان، وتسالني هو أنا ليه ماليش تيتا من ناحية بابا؟ وليه بابا مش عايش معانا؟.. أدخلها الأوضة دي وأقولها عشان الكلمة دي.. وعشان الطبق ده.
أنا زعقت من وسط دموعي
بس أنا ما كنتش قاصد يا طنط! أنا كنت خايف على زعل أمي! أمي شافت المر عشان تربيني، ما كنتش قادر أكسر بكلمتها!
حماتي لفت وبصتلي، نزلت لمستوايا وهي بتبص في عيني مباشرة
وعشان ما تكسرش كلمة أمك، كسرت ضهر للي ملهاش ذنب؟ رحت بعت البنت اللي سابت بيت أبوها وجت عشان تبني معاك بيت؟ أحمد.. البر مش معناه إنك تظلم. ربنا ما قالش اتقوا الله في أمهاتكم واظلموا زوجاتكم. إنت لو كنت راجل بجد، كنت خدت أمك في حضنك وطيبت خاطرها، وفي نفس الوقت خدت مرأتك في حضنك وحميتها. بس إنت اخترت الحل السهل.. اخترت تدوس على الضعيفة اللي ملهاش ضهر في بيتك، عشان ترضي الكبيرة اللي مسيطرة عليك.
الكلام كان زي السكاكين بتنزل في قلبي. افتكرت ليلتها.. افتكرت لما منى كانت سخنة وبتترعش، وأنا نايم في الصالة عشان البيبي بيعيط ومش عارف أنام عشان عندي شغل الصبح. افتكرت إني سيبتها تواجه وجعها لوحدها بس عشان ما أطلعش غلطان قدام أمي.
في اللحظة دي، الباب بتاع الأوضة التانية اتفتح.
وخرجت منها بنت صغيرة.. شعرها أسود كيرلي، عينيها واسعة زي عيون منى بالظبط. كانت لابسة فستان أبيض صغير، وفي إيدها عروسة قماش قديمة.
ليان.. بنتي.
أمي أول ما شافتها، شهقت وحطت إيدها على قلبها
ليان.. يا قلب تيتة.. تعالي يا بنتي.
البنت وقفت في مكانها.. بصت لأمي بنظرة باردة غريبة على عيلة عندها سنتين وثلاث شهور. ما جيرتش.. ما خافتش.. بس وقفت مكانها كأنها بتبص لشخص غريب تماماً في الشارع. وبصتلي أنا كمان بنفس النظرة. ما تعرفنيش.. أنا بالنسبة ليها الراجل اللي بيجي ساعتين في الأسبوع يقعد معاها في الصالون ويديلها لعبة ويمشي.
منى خرجت وراها.
كانت لابة عباية كحلي هادية، وشها كان رايق، بس فيه علامات نضج وقوة ما كانتش موجودة زمان. ما بقتش البنت الساذجة اللي بتوافق على أي حاجة عشان البيبي يتربى في حضن أبوه.
منى بصت لأمي وبصتلي، وقالت بهدوء قاتل
أهلاً يا طنط.. سلامتك. ماما قالتلي إنك تعبانة وعايزة تشوفي ليان. ليان قدامك أهي.
أمي حاولت تقرب خطوة، وتمد إيدها عشان تلمس كتف البنت، ليان رجعت خطوة لورا واستخبت ورا رجل منى.. مسكت في عبايتها جامد.
دموع أمي زادت، وقالت بصوت مكسور كلياً
سامحيني يا بنتي.. أنا كنت فاكرة إني بعمل الصح.. كنت فاكرة إني بعلمك.. أنا عشت عمري كله قاسية عشان الدنيا كانت قاسية عليا.. سألتك بالله تسامحيني.
منى بصت لأمي طويلة، وبعدين بصت للطبق اللي في الأوضة المفتوحة، وقالت
أنا مسامحاكي يا طنط.. عشان ربنا وعشان صحتك. بس المسامحة مش معناها إن اللي اتكسر يتصلح. القلم اللي أخدته على وشي ما كانش بيوجع زي الكلمة اللي ابقك قالها. أنا مش زعلانة منك إنتي.. أنا كنت زعلانة من أحمد.
التفتت ليا.. عينيها جت في عيني.
أحمد.. إنت دايماً كنت بتقول استحملي عشان دي أمي.. وأنا استحملت لحد ما روحي طلعت. أنا مش هقدر أرجعلك تاني.. ولا هقدر أخلي بنتي تتربى في بيت الراجل فيه بيشوف إن كرامة مراته وسيلت ضغط لرضا أهله. ليان هتعرفك.. وهتزورك.. وهتفضل بنتك. بس إحنا.. عمرنا ما هنكون عيلة.
أمي قعدت على كرسي في الممر، بتعيط بنحيب حقيقي.. النحيب بتاع الندم اللي بييجي بعد ما الفاس تقع في الراس. الندم اللي ملوش علاج.
أنا وقفت، وبصيت لمنى ولين.. كنت حاسس إني خسرت كل حاجة في لحظة واحدة. الغرور الكذاب اللي كان جوايا، والبر المزيف اللي كنت فاهم إنه بالطاعة العمياء، كله اتهد فوق دماغي.
حماتي قربت مني وحطت المفتاح بتاع الأوضة في إيدي
خد المفتاح ده يا أحمد.. وخلي الأوضة دي في ذاكرتك دايماً. عشان لما تفكر تتجوز تاني.. أو لما تيجى تربي بنتك.. تفهم إن البيوت بتبني بالمودة والرحمة.. مش بالاستحمال والذل.
خدت أمي من إيدها، وخرجنا من الشقة.
السلم كان طويل وضلمة، وأمي كانت ساندة عليا بكل تقلها، كأنها عجزت عشر سنين في الساعة دي. وطول الطريق في العربية، محدش فينا نطق كلمة. صوت السكوت كان أعلى من أي صريخ.. صدى كلمة استحملي كان بيلف في العربية ويزن في وداني.
فهمت وقتها.. إن فيه غلطات بنعملها في حق الناس اللي بنحبهم، مبيكونش ليها فرصة تانية. وإن الأمومة مش رخصة للظلم، وإن الرجولة مش طاعة عمياء.. الرجولة هي إنك تكون حقاني، حتى لو الحق ده ضد نفسك وضد أقرب الناس ليك.