يافطة من سراب ج 2 حكـايات مني السيد
غريبة هجموا على المكان بسكاكين ومقلوب وبيدوروا عليا أنا وعاصم.. المحل فيه موظفين وزباين!
الظابط اتنفض من على كرسيه، ولم الأوراق بسرعة وهو بيزعق في جهاز اللاسلكي اللي جنبه
إشارة لكل القوات القريبة من شارع المحلات.. تحرك فوري ل محل حلواني منى السيد.. بلاغ عن هجوم مسلح وحريق.. اطلبوا المطافئ والإسعاف فوراً!
التفت ليا وقال بحسم
إنتِ وابنك هتفضلوا هنا في المكتب تحت حراسة.. مش هتحركي خطوة برة المديرية لحد ما نفهم في إيه.. الموضوع شكله م بقاش مجرد خلاف عائلي على محل.
قعدت على الكرسي وأنا ضامة سليم لحضني.. الواد كان نام من كتر التعب والخوف، ريحة شعره كانت هي الحاجه الوحيدة اللي بتهديني في وسط جنون اليوم ده. قعدت أفكر.. مين دول؟ ومين اللي مصلحته يحرق المحل ويدور عليا أنا وعاصم بالذات؟ مدحت كان غرقان في دمه في الخرابة، وعاصم كان هناك جنبه.. يبقى مين؟
فاتت ساعتين كأنهم سنتين.. ساعتين من الانتظار القاتل، لحد ما باب المكتب اتفتح ودخل الظابط، وعلى وشه علامات إرهاق شديدة.. وراه كان في عسكري بيمهد لدخول حد..
ولما بصيت، لقيت عاصم داخل.. بس مكنش عاصم اللي شوفتُه الصبح بكبريائه وقميصه الجديد، ولا عاصم اللي كان بيعيط في الخرابة.. عاصم كان وشه كله هبب أسود من الحريق، هدومه مقطعة، وإيديه الاتنين متكلبشين، وعينيه في الأرض مش قادر يرفعها في عيني.
الظابط قعد ورا مكتبه، وبص لعاصم بقسوة وقال
اتفضل اقعد يا عاصم بيه.. قولي بقى لمدام منى، مين اللي حرق المحل؟ ومين الناس اللي كانوا بيدوروا عليكم؟
عاصم قعد على طرف الكرسي وجسمه كله بيترعش، وبدأ يتكلم وصوته مخنوق بالدموع والندم
المافيا.. يا منى.. مدحت أخويا مكنش شغال لوحده.. مدحت لما هرب من سبع سنين، سافر برة واشتغل مع ناس تقيلة في غسيل الأموال وتهريب البضائع.. ولما رجع، مكنش راجع عشان ياخد المحل ولا الأرض بس.. ده كان واخد شيكات على بياض من ناس خطر، ومفهمهم إن الأرض والمحل دول أصول بملايين وهيتنازلوا عنها ليهم عشان يسدد ديونه!
عاصم حط إيده المكلبشة على وشه وكمل عياط هستيري
الناس دول لما عرفوا إن مدحت اتصاب ووقع، وإن الورق لسه ممضيتيش عليه، و إن الشرطة دخلت في الموضوع، عرفوا إن مصلحتهم طارت.. هجموا على المحل عشان ينتقموا، وحرقوه بالبنزين عشان يضيعوا أي أثر لشغل مدحت القديم والأوراق اللي كانت في مكتبه جوه.. الست اللي اتجوزتها.. لولا الأمن والموظفين لحقوها وخرجوها من الباب الوراني كانت ماتت جوه.. المحل اتمسح يا منى.. شقا عمرك وعمري بقا تراب في لحظة!
سمعت كلامه، وحسيت فجأة براحة غريبة.. الراحة اللي بتيجي بعد نهاية العاصفة الكبيرة. المحل اتمسح؟ الحيطان اتفحمت؟ اليافطة الجديدة اللي اتكتب عليها اسم واحدة تانية اتهدت وبقت رماد؟
ضحكت.. ضحكة خفيفة خلت الظابط وعاصم يبصولي بذهول.
الظابط قال باستغراب
إنتِ بتضحكي يا مدام؟ المحل بتاعك اتمسح بالكامل!
قمت وقفت بثبات، وبصيت لعاصم بكل برود وقوة، وطلعت الظرف الأبيض من شنطتي وحطيتُه قدام الظابط
المحل اللي اتمسح ده يا فندم، كان مجرد حيطان وبضاعة متأمن عليها في البنك.. يعني هاخد تعويضها بالمليم.. لكن الكنز الحقيقي هو اللي جوه الظرف ده.. عقد الأرض والعمارة كلها باسمي أنا.. الأرض اللي تسوى عشرة من المحل ده.. عاصم ومدحت والست الجديدة كانوا بيتقاتلوا على سراب.. كانوا بيمسحوا اسمي من على يافطة، وميعرفوش إن الحقيقة متثبتة في دفاتر الحكومة باسم منى السيد.
بصيت لعاصم وقولتله
شقايا ماراحش يا عاصم.. شقايا هو ابني سليم اللي في حضني دلوقتي.. وشقايا هو الأرض اللي هبني عليها من أول وجديد، بس المرة دي لوحدي.. من غير ندالة، ومن غير خيانة، ومن غير ناس بتاكل في خيري وتتمنى زوالي.
عاصم بصلي بكسرة تذل الحجر، وقال وهو بيبكي
منى.. أنا ضيعت نفسي وضيعت أخويا.. مدحت في المستشفى بين الحيا والموت وتحت الحراسة.. وأنا داخل السجن بتهمة التزوير والشراكة في الخطف.. سامحيني.. ابني امانة في رقبتك.
سليم في عيني من غير ما تقول.. إنت اللي شيلت أمانته من يوم ما فكرت تسرق أمه وتكسر بخاطرها قدام الغريب وقصاد الموظفين.. القانون هياخد مجراه يا عاصم.. وإنت هتدفع تمن كل دمعة نزلت من عيني وعين ابنك النهاردة.
بعد مرور ستة أشهر
الجو كان دافي، والشمس طالعة بتنور الشارع كله.. وقفت في نص الرصيف، وبصيت لفوق.. اليافطة الجديدة كانت بتتركب.. يافطة ضخمة، بألوان زاهية وجميلة، وفي نصها اللوجو القديم اللي كنت عاملاه بإيدي زمان، بس متطور وأشيك بكتير.
الاسم كان مكتوب بخط ذهبي عريض مجموعة محلات الكاتبة منى السيد الفرع الرئيسي.
المكان م بقاش مجرد محل حلواني صغير.. العمارة كلها اتجددت وبقت ملكي بالكامل.. الدور الأول والتاني بقوا فروع لشركتي الجديدة، والموظفين اللي سكتوا زمان ومدافعوش عني؟ مشيتهم كلهم وجيبت مكانهم شباب بيفهموا يعني إيه أمانة ويعني إيه ولاء للمكان اللي بياكلوا منه عيش.
عاصم وأخوه مدحت اتكَمشوا وأخدوا جزاءهم بالسجن المشدد.. والست الشيك اللي كانت فاكرة إنها ملكت الدنيا بمفاتيح مسروقة؟ رجعت لمكانها الطبيعي مطرودة ومجرورة في المحاكم كشاهدة ومتهمة بالتستر.. كل واحد أخد مقامه بالظبط.
حسيت بنسمة هوا باردة خبطت في وشي.. رن تليفوني، فتحت الخط وجالي صوت سليم وهو بيضحك في التليفون مع الشغالة وبيقولي ماما.. أنا خلصت الواجب ومستنيكي تخلصي الشغل عشان نخرج سوا!
ابتسمت من كل قلبي وقولتله حاضر يا قلب ماما.. نص ساعة وأكون عندك.
قفلت التليفون، وبصيت لليافطة مرة أخيرة قبل ما أدخل مكتب الجديد.. عرفت وقتها إن الضربات اللي مبتقتلش، بتصنع بني آدم جديد أقوى من الحديد.. وإن الحق لما بيبقى وراه صاحب م بيموتش.. وأنا منى السيد.. بدأت من أوضة صغيرة، والنهاردة بقيت صاحبة عمارة واسم بيهز السوق كله.
فتحت باب مكتبي، ودخلت وأنا رافعة راسي لفوق.. والنهاية دي مكنتش مجرد قفل لصفحة قديمة.. دي كانت بداية لأجمل وأقوى حكايات حياتي.
تمت بحمد الله.. شكراً لكل من تابع حكايات منى السيد وعقبال الحكاية الجديدة المليانة إثارة ونجاح! حكايات_مني_السيد