يافطة من سراب ج 2 حكـايات مني السيد
الفصل الثالث
الدنيا اسودت في عيني، والحيطان الخرسانية اللي حوالينا حسيتها بتضيق وتطبق على صدري. سليم كان مستخبي ورا ظهري، ماسك في قميصي وضوافره غرزت في لحمي وهو بيترعش.. كنت سامعة دقات قلبه السريعة زي دقات ساعة الموت.
بصيت للراجل اللي واقف قدامي.. الملامح هي هي، بس الغل اللي في عينيه زاد، والزمن ساب علامات قسوة أكتر على وشه. مدحت.. الأخ الكبير لعاصم، اللي ساب البلد وهرب من سبع سنين بعد مصيبة وفضيحة كبيرة، بعد ما سرق شقا أبوه وأخواته، ولبّسني أنا وعاصم في ديون وشيكات كنا هنحبس بسببها في أول جوازنا.. وقتها أنا اللي وقفت، وبعت ورث أمي ودهبي عشان أسدد شيكاته وأحمي بيتي والراجل اللي كنت فاكراه راجل.
مدحت رجع.. وبنفس النظرة الخسيسة اللي كانت السبب في خراب حياتنا زمان.
سحبت نفسي لورا خطوة، وأنا بحاول أثبت صوتي عشان سليم ما يحسش بقلة حيلتي، وقلت بلهجة حادة
مدحت؟ إنت إيه اللي جابك؟ وعايز إيه من ابني؟ إنت مش هربت وقولت مش عايز تشوف وش حد مننا تاني بعد ما خربت بيوتنا؟
ضحك ضحكة عالية، صوتها رد في الحيطان الفاضية وبقى يدور في ودني زي الفحيح
هربت؟ لاء يا حلوة.. أنا كنت مستني.. مستني لحد ما الزرعة تكبر وتطرح، عشان آجي آكل على الجاهز. سيبتكم سبع سنين، وكنت مراقبكم خطوة بخطوة.. شوفتك وإنتِ بتبدأي من الصفر، وشوفت المحل وهو بيكبر ويسمّع.. تفتكري عاصم بالدماغ الجززمة دي يعرف يعمل اللي عمله النهاردة لوحده؟
جملته نزلت عليا زي الصاعقة.. عيني وسعت وأنا مش مستوعبة
يعني إيه؟ عاصم معاك في ده؟
مدحت حط العصاية على كتفه وقال بشماتة
عاصم ده حتة عجينة في إيدي.. أول ما ظهرتله من شهرين، وقولتله إن المحل ده بيكسب ملايين وإن مراته منى هي اللي مسيطرة ومصغرة شكله قدام الناس، طمعه عماه.. أنا اللي عرفته على السنيورة الجديدة، وأنا اللي جيبتله المحامي اللي عمله عقود التنازل والتزوير عشان ينقل المحل باسمها.. وأنا اللي قولتله يطردك النهاردة بالذات.
النفس اتقطع مني.. عاصم.. جوزي.. شريك عمري وأبو ابني، كان بيخطط مع الشياطين عشان يدمرني.. كان بياكل معايا في طبق واحد وهو بيحفرلي القبر.
كمل مدحت وكلامه بيقطّع فيا
بس عاصم غبي.. فاكر إن اللعبة وقفت لحد المحل.. ما يعرفش إن عيني على الحاجة الأكبر.. عيني على الأرض اللي المحل مبني عليها.. الأرض اللي أبوكي كتبهالك قبل ما يموت ومحدش يعرف عنها حاجة غيري.. أنا جيبت الواد سليم هنا عشان تخلصي الموضوع ودمك بارد.. الشنطة اللي في إيدك دي، فيها أوراق الأرض.. هتمضي على التنازل اللي جوة الظرف، وتاخدي ابنك وتمشي.. غير كده، الواد ده مش هيرجع البيت تاني.
بصيت لمدحت، وبصيت للشنطة اللي في إيدي.. الورقة اللي جوة الظرف مكنتش عقد الأرض بس.. دي كانت الورقة اللي تثبت إن المحل والعمارة ملكي، وإن عاصم وكل التوكيلات اللي معاه حبر على ورق مالهاش أي قيمة قانونية لأنها مبنية على باطل.
قلت بذكاء وأنا بحاول أكسب وقت، وعيني بتدور في الأوضة على أي مخرج أو أي حاجة أدافع بيها عن نفسي
ولو مضيت.. إيه اللي يضمنلي إنك ه تسيبنا نمشي؟ إنت خسيس وعمرك ما كان ليك أمان يا مدحت.
مدحت قرب خطوة، وعينيه لمعت بالشر
مالكيش شروط يا منى.. إنتِ هنا في حمايتي وتحت طوعي.. امضي وخلصينا، بدل ما أخلي عاصم يترحم على ابنه وهو لسه بيفرح بمحله الجديد.
في اللحظة دي، سمعنا صوت حكة كاوتش عربية برة المكان.. صوت فرامل قوية خلت مدحت يلتفت للباب بقلق.. الصوت كان قريب قوي.. وفجأة، ظهر خيال راجل واقف عند مدخل الأوضة برة.. الخيال كان ل عاصم!
عاصم دخل وهو بينهج، وشه كان عرقان وهدومه مبهدلة.. أول ما شاف مدحت، صرخ بزعيق هز المكان
مدحت؟ إنت اللي عملت كده؟ إنت قولتلي إنك هتبعد منى عن المحل كام يوم لحد ما الأمور تستقر.. م قولتليش إنك هتخطف ابني! سليم يا مدحت؟ تخطف ابن أخوك؟
مدحت لف لعاصم ببرود تام، ومتحركش من مكانه، وقال بنبرة تستهزأ بيه
أهلاً يا غبي.. جيت ليه؟ مش قولتلك خليك في المحل مع مرتك الجديدة وافرح باليافطة؟ إيه اللي جابك ورا منى؟
عاصم مشي ناحيته وهو بيجز على سنانه، وعينيه مليانة دموع وندم.. ندم حقيقي أول مرة أشوفه في عينيه من سنين
أنا طماع يا مدحت.. وسرقت تعب مراتي.. بس عمري ما أبيع ابني.. سليم خط أحمر.. سيب الواد يا مدحت، وهات الأوراق دي، وإحنا مطلعين برة اللعبة دي خالص.
مدحت رفع العصاية في وش عاصم وقال بقسوة
اطلع برة إيه يا فاشل؟ إنت من غيري م تسواش مليم.. إنت لولايا كانت منى فضلت دايسة عليك ومصغراك.. اقعد على جنب وسيبني أخلص المصلحة، الأرض دي هتجيب ملايين.. هنقسمها سوا، وتعيش ملك إنت والست الجديدة بتاعتك.
عاصم بص لسليم اللي كان بيعيط ويصرخ بابا.. تعالي خدني يا بابا!.. اللحظة دي حركت حاجة جوة عاصم.. رمى نفسه على مدحت وحاول يمسك العصاية من إيده وهو بيزعق
مش عايز ملايين! مش عايز المحل! رجعلي ابني!
الاشتباك بدأ بينهم.. عاصم ومدحت بقوا يضربوا بعض بغل.. مدحت كان أقوى وأقسى، ضرب عاصم بالعصاية على رجله