شقـة الحـضانة ج 2 حكـايات منـي الـسـيد

لمحة نيوز

جاي شكله سواد...
صوت الحاجب وهو بينطق اسمي واسمها رن في ودني كأنه جرس إنذار لخراب جديد. بصيت للورقة اللي في إيد المحامي بتاعي، وبصيت لهالة وللراجل اللي واقف جنبها ببدلته الشيك وابتسامته المستفزة. عقلي مكنش مستوعب... باعت الشقة؟ إزاي تبيع شقة الزوجية اللي هي أصلاً مش ملكها؟ دي قاعدة فيها بحكم حضانة!
الأستاذ ممدوح سحبني من إيدي بسرعة ودخلنا قاعة المحكمة، وهما ورايا. القاعة كانت زحمة، وصوت همس الناس مالي المكان. وقفنا قدام منصة القضاء، والقاضي كان راجل جليل، عينه فيها نظرة حسم تريح الخايف وتخوف الظالم.
القاضي بص في الأوراق ووجه كلامه للأستاذ ممدوح
دفاع المدعي... أنت طالب إلغاء قرار التمكين واسترداد مسكن الزوجية بناءً على إن الحاضنة أخلت بشرط الإقامة وأجرت الشقة مفروش، ومعاك محضر إثبات حالة... مظبوط؟
الأستاذ ممدوح قال بقوة
مظبوط يا فندم... وقدمنا المستندات وصور فوتوغرافية وعقد الإيجار الممسوخ اللي سابته الحاضنة للغرب، وبنطلب طرد الساكن واسترداد عين النزاع لعدم حاجة الحاضنة إليها وإقامتها الدائمة في منزل والدتها.
هنا محامي هالة اتدخل، وقام واقف وقال بنبرة ثقة
يا سيادة القاضي... كل الكلام ده مبقاش ليه أساس من الصحة. الدعوى دي أصبحت غير ذي صفة ومرفوعة على غير ذي ذي صفة... لأن الشقة محل النزاع مألتش للمدعى عليها أصلاً، ومبقتش تحت يدها.
القاضي رفع عينه وبصله باستغراب وقال يعني إيه مبقتش تحت يدها؟ الشقة دي مسكن زوجية وصادر ليها قرار تمكين!
الراجل اللي لابس بدلة شيك قرب وقدم عقد البيع الموثق للمستشار، وقال
يا فندم، أنا الممثل القانوني لشركة المستقبل العقارية. المدعى عليها كانت واخدة الشقة دي ب عقد بيع ابتدائي من المدعي زوجها السابق أثناء فترة الزواج، كنوع من أنواع المهر أو الهبة الموثقة في عقد خارجي، وهي باعت الشقة دي للشركة بموجب هذا العقد والتناقضات المادية، والشركة استلمت العين... يعني الشقة مبقتش ملك الأستاذ أحمد ولا ملك المدام، ومرفوع عنها يد الحضانة لأنها انتقلت لمالك حسن النية!
أنا ركبي سيبت... عقد بيع ابتدائي مني ليها؟ أنا ممضيتش على حاجة زي دي في حياتي! عمري ما كتبت لها شبر في الشقة! بصيت لهالة لقيتها بتبص في الأرض وبتداري ضحكتها. الطمع خلانها تزوّر إمضائي؟ تزوّر عقد بيع عشان تبيع الشقة لشركة عقارات وتاخد ملايين وتهرب؟
الأستاذ ممدوح اتمالك نفسه بسرعة وطلب من القاضي يبص في العقد، وزعق بصوت هز القاعة
يا سيادة القاضي! هذا العقد مزور ومصطنع قلباً وقالباً! موكلي لم يبع ولم يتنازل عن شقة عمره لأي شخص، والمدعى عليها ارتكبت جريمة تزوير في محرر عرفي واستخدمته في النصب على الشركة العقارية لتضييع حقوق الصغار وموكلي! نطالب وبشدة بإحالة العقد لمصلحة الطب الشرعي لأبحاث التزييف والتزوير، واستمرار دعوانا بنقل الحضانة واسترداد الشقة!
القاضي بص في العقد بتمعن، وبص لهالة اللي وشها بدأ يغير ألوان لما جابت سيرة الطب الشرعي. القاضي خبط بالشاكوش وقال بصوت جهوري
قررت المحكمة... أولاً تأجيل الدعوى لجلسة شهر من الآن، وإحالة عقد البيع الابتدائي المقدم من الشركة العقارية إلى مصلحة الطب الشرعي بوزارة العدل، لبيان عما إذا كان التوقيع المنسوب للمدعي أحمد هو توقيعه الفعلي من عدمه. ثانياً استمرار التحفظ على عين النزاع الشقة وغلقها بالشمع الأحمر لحين الفصل في التزوير، ومنع أي تصرف فيها.
الشاكوش لما نزل، كان كأنه نزل على دماغ هالة. الضحكة اختفت من وشها، والممثل القانوني للشركة بص لها بغضب وقال لها بصوت مسموع لو العقد ده طلع فيه إن، إحنا مش بس هنسترد فلوسنا... إحنا هنحبسك بقضية نصب وتزوير يا مدام!
خرجنا من القاعة، وأنا حاسس إن ربنا مبيسيبش حق حد. الأستاذ ممدوح طبطب على كتفي وقاللي
أنا عايزك تفرح يا أحمد... هالة بغبائها وطمعها حفرت قبرها بإيدها. الطب الشرعي مبيجاملش، وطالما أنت مأمضيتش، الإمضاء هتطلع مزورة بنسبة مية في المية. وساعتها مش بس الشقة هترجعلك... دي هتاخد حكم جنائي بالسجن بتهمة التزوير والنصب، والحكم الجنائي ده هو اللي هيسقط عنها الحضانة فوراً وبقوة القانون، لأنها هتبقى غير أمينة على الصغار وسيئة السمعة!
الشهر ده كان أطول شهر في حياتي. كنت بروح شغلي وأنا عقلي في المحكمة وفي عيالي. هالة حاولت تخلط الأوراق وتكلم ناس يتوسطوا عشان أتنازل، وبعتتلي رسائل بتعيط فيها وبتقوللي عشان خاطر العيال بلاش موضوع السجن والطب الشرعي وأنا هسيبلك الشقة، بس أنا كنت خلاص، قلبي مات من ناحيتها ومبقتش شايف غير مصلحة ولادي اللي اتبهدلوا في المحاكم بسببها.
وفي يوم الجلسة الموعودة... قاعة المحكمة كانت أنفاسها مكتومة. تقرير الطب الشرعي وصل، وتحط على مكتب القاضي.
القاضي فتح التقرير وقرا السطور الأولى منه وهز راسه. بص لهالة وبصلي، وقال بنبرة مفيهاش تراجع
بناءً على تقرير مصلحة الطب الشرعي، أبحاث التزييف والتزوير، تبين أن التوقيع المذيل على عقد البيع الابتدائي المنسوب للمدعي أحمد... هو توقيع مزور بطريق التقليد، ولم يصدر من يد المدعي.
القاعة مقلبتش دوشة، بس هالة قعدت على الكرسي ورا ودفنت وشها بين إيديها وبدأت تعيط بنحيب مكتوم.
القاضي كمل حكمه
وحيث أن الحاضنة قد ثبت إخلالها بأمانة الحضانة، وارتكابها واقعة تزوير للاستيلاء على مسكن الصغار وبيعه للغير، وحيث أنها أجرت العين من الباطن لأغراض تجارية ولم تقم فيها برفقة المحضونين... حكمت المحكمة
أولاً إلغاء قرار التمكين الصادر للمدعى عليها، وإلزامها برفع يدها عن الشقة وتسليمها للمدعي خالية من الأشخاص والشاغلين.
ثانياً إسقاط حق الحضانة عن المدعى عليها هالة لعدم أمانتها، ونقل حضانة الصغار مازن ويوسف إلى والد الأب الجدة لأب مؤقتاً، مع إلزام المدعى عليها بتسليم الصغار فوراً.
ثالثاً إحالة الأوراق والشق الجنائي للنيابة العامة لاتخاذ شئونها في واقعة التزوير والنصب.
أنا لمست الأرض براسي وسجدت في نص القاعة وأنا بعيط وبشكر ربنا. الحق ظهر... شقايا وعمري مرجعوش بس، عيالي رجعوا لحضني، والشر اللي كان بيحاوطهم انتهى.
بعد يومين من الحكم، كنت واقف قدام باب شقتي القديمة. الشمع الأحمر كان بيتشال، ومعايا قوة من التنفيذ والمحامي بتاعي. فتحت الباب... الشقة كانت فاضية، مفيهاش غير الحيطان اللي نقينا ألوانها، والرخام اللي طفحت الدم عشان أجيب تمنه. بس المرة دي مكنتش زعلان على العفش اللي راح ولا على التبهديل... كنت حاسس بنظافة المكان، وبإن الروح رجعت للبيت تاني.
في نفس اليوم بالليل، رحت أخدت ولادي بحكم المحكمة وقوة التنفيذ من بيت جدتهم. هالة مكنتش موجودة، كانت بتهرب من مكان لمكان خوفاً من أمر القبض اللي هيطلع ليها من النيابة بسبب قضية التزوير.
أول ما عيالي دخلوا الشقة، جيروا في الصالة الفاضية وهما بيضحكوا وبيصرخوا من الفرحة. يوسف الصغير قعد يتنطط على الرخام ويقول شقتنا رجعت يا بابا! أوضتي رجعت!... ومازن جه وخدني في حضنه وقالي أنا بحبك أوي يا بابا... ومبقتش عايز أمشي من هنا تاني.
قعدت معاهم على الأرض الفاضية، فرشت ملاية صغيرة وجبنا عشا وبقينا بناكل وبنضحك. بصيت ليهم ودموعي نازلة... دموع فرحة وراحة.
أنا مأمنتش مستقبل ولادي بالفلوس والمدارس والهدوم بس... أنا أمنت مستقبلهم لما حاربت عشانهم، ولما وقفت في وش الظلم والطمع وحميتهم من بيئة كانت ممكن تطلعهم مشوهين.
الشقة لسه فاضية، ومحتاجة تتدق فيها مسمار مسمار من أول وجديد، والفلوس اللي راحت هعوضها بشغلي وعرقي... بس المهم إن الأساس رجع، واللمة رجعت، وولادي بقوا في حضني وفي أمان.
بصيت للبلكونة، الهوا النظيف كان بيدخل ويطرد كل ريحة وحشة سابتها الأيام اللي فاتت. مسكت إيد ولادي الاتنين وقولت في سري الرحلة كانت صعبة... والوجع كان كبير... بس النهاية تستهل كل خطوة... الحمد لله.

تم نسخ الرابط