ثـمن الوفـاء ج 2 حكايات مني السيد
أوقات كتير الدنيا بتخيرك بين طريقين، والاتنين فيهم خسارة. بس في اللحظة دي بالذات، لما اسم نور رن في وداني وهي بين الحياة والموت، مكنش في مكان للحسابات ولا للخوف من الزعل. بصيت لأسماء وبطنها الكبيرة، وعينيا كانت مليانة دموع ووجع وقلت لها بصوت مخنوق أنا آسف يا أسماء.. بس دي نور. لو مروحتش دلوقتي، عمري ما هسامح نفسي لحد ما أموت.
نزلت على السلم جري، مكنتش شايف قدامي. ركبت عربيتي وسوقت بأقصى سرعة، والشوارع في نص الليل كانت فاضية وساقعة، كأنها بتشاركني الرعب اللي في قلبي. كنت بكلم ربنا في السر، وأدعي من كل جوارحي يارب متحرمنيش منها.. يارب أنا غلطت وكسرت قلبها، بس متموتهاش، سيبها عايشة في الدنيا حتى لو بعيد عني، بس أشوفها من بعيد لبعيد وأطمن إنها بخير.
المستشفى.. ورائحة الموت
وصلت المستشفى الدولي، ودخلت جري على الطوارئ. الريحة هناك، ريحة المعقمات والأجهزة، كانت بتفكرني بكل الأيام الصعبة اللي قضيناها سوا وإحنا بندور على أمل في عيل. لقيت جاد، جوز أختها، واقف قدام باب العناية المركزة، ووشه باهت وعينيه حمرا من العياط. أول ما شافني، قرب عليا وهمس بصوت مكسور إيهاب.. كويس إنك جيت بسرعة.
نور مالها يا جاد؟ إيه اللي حصل؟ سألته وأنا بنهج وروحي بتنسحب مني.
مقطورة خبطت عربيتها وهي راجعة على المحور.. النزيف كان داخلي ودخلت العمليات، بس الدكاترة بيقولوا المخ مفيش فيه استجابة، وهي دلوقتي على الأجهزة.. هي فاقت للحظات صغيرة أوي في الإسعاف، ومقالتش غير اسمك ورقمك يا إيهاب. كانت بتوصينا عليك.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. دخلت عليها العناية بعد ما ترجيت الدكتور. شوفتها.. نايمة على السرير الأبيض، حواليها خراطيم وأجهزة بتصفر بانتظام مريب. وشها اللي كان دايمًا منور، كان شاحب ومليان جروح، وراسها ملفوف بالشاش. قربت منها، مسكت إيدها.. الإيد اللي ياما طبطبت عليا لما كنت برجع مكسور وممعيش تمن العشا. كانت ساقعة.. ساقعة أوي.
قعدت على ركبي جنب السرير، وبكيت زي العيل الصغير نور.. أنا إيهاب. أنا جيت يا نور.. قومي عشان خاطري. أنا عارف إني خذلتك، وعارف إني كسرت بخاطرك وجرحت كرامتك لما فكرت في نفسي وفي كلام الناس. الدنيا ملهاش طعم من غيرك يا نور.. والله العظيم الفلوس والنجاح وكل اللي وصلته ميسواش لقمة ناشفة كنا بناكلها وإحنا بنضحك في شقتنا الإيجار. قومي وعاتبيني، اصرخي في وشي، بس متسيبنيش!
فجأة، جهاز نبضات القلب بدأ يطلع صوت سريع ومستمر. المؤشرات بدأت تنزل بسرعة. الدكاترة والممرضين دخلوا جري، وزقوني لبرة الأوضة. وقفت ورا الإزاز، أبص عليهم وهم بيحاولوا يعملوا لها إنعاش لعضلة القلب.. المرة الأولى، المرة الثانية.. وبعدين.. صوت الصفارة الطويلة القاتلة أعلن النهاية.
الدكتور خرج، حنى راسه للأرض وقال بأسف البقاء لله.. شد حيلك يا أستاذ.
في اللحظة دي، الدنيا وقفت تمامًا. مبقتش سامع صوت حد، ولا شايف حد. نور مشيت. الست اللي عاشت عشاني، ماتت وهي بتفكر فيا. ماتت وسابتني للدنيا اللي جريت وراها، عشان أكتشف في الآخر إني خسرت أهم حاجة فيها.
الجنازة.. والعزاء في الفراغ
دفناها في مدافن عيلتها. كنت واقف بعيد، مش من حقي أقف في الأول وأخد العزا. أنا الطليق اللي سابها لما ربنا مأذنلهاش بالخلفة. كنت ببص على التراب وهو بيداريها، وبفتكر جملتها الأخيرة في بيتنا الموت أهون عليا من إني أشوفك داخل عليا وريحتك ست تانية. كأنها كانت حاسة إن الموت فعلاً هو اللي هيخلصها من وجع الدنيا.
أمي وأختي هند كانوا واقفيين يعيطوا، بس أنا مكنتش طايق أبص في وشهم. كلامهم والزن بتاعهم هو اللي وصلني لهنا. صحابي اللي قالوا لي الستات بيرضخوا للأمر الواقع كانوا واقفين يعزي ملامحهم باردة. كل الوعود الكدابة اللي الدنيا وعدتهالي اتبخرت في لحظة.
رجعت بيتي مع أسماء. الشقة كانت هادية كأنها مقبرة. أسماء مكلمتنيش، كانت خايفة من شكل عيني ونظراتي الميتة. حاولت تقرب مني كذا مرة، بس كنت ببعد ببرود. أنا مش كرهها، هي ملهاش ذنب، هي كمان ضحية لرغبتي وأنانيتي.. بس قلبي خلاص، اتدفن تحت التراب مع نور.
وصول نور الجديدة
بعد شهرين من الوفاة، أسماء جالها الطلق. أخدتها ورحنا المستشفى. الساعات اللي قضيتها قدام غرفة العمليات مستني ابني يتولد، مكنتش شبه الساعات اللي كنت بحلم بيها زمان. مكنش في لهفة ولا فرحة. كان في غياب تام وعقل شارد مع اللي راحت.
خرجت الممرضة وشايلة في إيدها لفة بيضا صغيرة مبروك يا أستاذ إيهاب.. المدام جابت بنت زي القمر.
قربت منها، وبصيت للوش الصغير الحمر. طفلة بريئة، ملهاش ذنب في أي حاجة من العك اللي الكبار عملوه. الممرضة سألتني وهي بتبتسم هتسموها إيه إن شاء الله عشان نكتب في الشهادة؟
أسماء كانت خرجت على السرير، وبصت لي بتعب وهي مستنية الاسم اللي كنا متفقين عليه زمان لو جت بنت. بس أنا بصيت للطفلة، ودموعي نزلت، وقلت بصوت مسموع للكل
هنسميها.. نور.
أسماء ديرت وشها الناحية التانية وعينيها دمعت، كانت عارفة إن الاسم ده مش مجرد اسم، ده حكم مؤبد عليا بالندم. وعارفة إنها مهما عاشت معايا، هتفضل دايماً بتنافس طيف ست تانية، ست كسبت قلبي وهي عايشة، وامتلكت روحي وهي ميتة.
نهاية الحكاية فوق قمة باردة
مرت السنين.. وبقت عندي نور الصغيرة. دلوقتي عندها تلات سنين، بتجري في الشقة الكبيرة الفخمة، وضحكتها بتملى المكان. كل ما تبص لي بعينيها الواسعة الهادية، بفتكر نور الكبيرة. باخدها في حضني وأبكي من غير ما تحس.
بقيت راجل غني جداً، المشاريع كبرت، والفلوس بقت أكتر بكتير من اللي كنت بحلم بيه وأنا موظف بسيط. بس الفلوس فعلاً طلعت أرخص حاجة في الدنيا، زي ما قلت من عشر سنين. الفلوس مش بتشتري الأمان، ولا بتراجع الزمن، ولا بتعوضك عن الست اللي كانت بتشوف في اللقمة الصغيرة معاك الدنيا وما فيها.
بقعد كل يوم بالليل في البلكونة الكبيرة، لوحدي، بمسك كوباية الشاي، وأبص للسما. أسماء نايمة جوة مع البنت، وأنا واقف على قمة النجاح اللي شقيت عشان أوصل له.. بس واقف لوحدي، بردان، مكسور، وعايش على ذكرى الست اللي دخلت حياتي كالأمان.. ومشيت منها كالإعصار، وسابتني عايش بجسد في الدنيا.. وروحي هناك، تحت التراب، مع نور الأولانية.