ثـمن الوفـاء ج 2 حكايات مني السيد

لمحة نيوز

الفصل الثالث بيوت جديدة.. وأرواح قديمة
البيت لما بيفضى من صاحبه الحقيقي، مابتملأهوش أغلى السجاجيد ولا أنضف العفش. نور مشيت، وخدت معاها الروح اللي كانت مخلية الحيطان دي بتنطق. قعدت شهر كامل في الشقة لوحدي، زي المجنون، أكلم نفسي، أبص لكرسيها الفاضي، وأفتكر ضحكتها. لكن الزن مبيكنش، وأمي وأختي هند مسبونيش للحزن. خلاص يا بني، هي اللي اختارت، وهي اللي شالت شنتطها ومشيت، بص لمستقبلك بقى.
وفعلاً، تحت ضغط الخوف من الوحدة، وكلام الناس، ونصايح أصحابي، مشيت في السكة اللي رسموهالي. اتجوزت أسماء.
أسماء بنت حلال، أصغر من نور بسبع سنين، مفيهاش عيب يعيبها؛ بتسمع الكلام، وبتطبخ، وست بيت شاطرة. الشقة اللي كانت مقفولة ومظلمة رجعت نورت تاني بالأنوار والزغاريط، وأمي كانت طايرة من الفرحة وهي شايفاني عريس من جديد. بس الحقيقة اللي كنت بخبيها عن الدنيا كلها، إني وأنا واقف في الكوشة جنب أسماء، عيني كانت بتدور في القاعة.. كنت بدور على وش نور. كنت مستنيها تدخل من الباب وتقولي إن كل ده كابوس وهنصحي منه. بس مفيش كوابيس بتصحي منها على مزاجك، الواقع كان فارض نفسه، وأنا بقيت راجل متجوز ست تانية.
بعد تمن شهور من الجواز، حصلت المعجزة اللي كنت مستنيها طول عمري. أسماء كانت تعبانة، روحينا للدكتور، وبكشف بسيط وبتحليل سريع، الدكتور بصلي وابتسم مبروك يا أستاذ إيهاب.. المدام حامل.
الفرحة اللي ملهاش طعم
في اللحظة دي، المفروض كنت أطير من الفرحة. المفروض أصرخ في الشارع وأقول للناس كلها أنا هبقى أب! لكن اللي حصل جوايا كان غريب جداً. حسيت بوجع في قلبي، غصة مكتومة سدت نفسي. افتكرت نور. افتكرت كام ليلة قضيناها في المستشفيات، كام حقنة خدتها في بطنها وهي بتعيط من الوجع وتدعي ربنا. افتكرت الدموع اللي كانت في عينيها وهي بتقولي أنا حرمتك من أجمل نعمة. النعمة جت يا نور.. بس مش منك.
رجعت البيت، أمي لما عرفت الخبر عملت عزومة لمصر كلها. الشقة اتملت ناس، والكل بيبارك ويهني يا بختك يا إيهاب، ربنا عوضك، الولد هيشيل اسمك. وأنا كنت قاعد وسطهم زي الغريب. أبص لأسماء وهي قاعدة فرحانة ووسط أهلي، وأفتكر نور اللي كانت بتقف في المطبخ بالساعات عشان تعمل الأكل اللي بحبه ومتبينش تعبها.
الشهور جرت، وأسماء بطنها بدأت تكبر، ومع كبر بطنها، بدأت تظهر اختلافات تانية مكنتش واخد بالي منها في الأول. أسماء كانت طيبة، بس مكنتش نور. مكنش بيننا لغة الإشارة اللي كانت بيني وبين نور. نور كانت تبص في عيني تفهم مالي من غير ما أنطق. أسماء لو قعدت أشرح لها تعبي في الشغل ساعتين، تقولي في الآخر معلش يا حبيبي، ربنا يقويك، المهم متنساش وأنت راجع تجيب تمن الحفاضات والهدوم الجديدة بتاعة البيبي. مكنتش بتشاركني طموحي، مكنتش بتفهمني. كنت بحس إني عايش مع ست بتأدي وظيفة، مش شريكة عمر.
المقابلة الصدمة
في يوم، كنت في السوبر ماركت الكبير اللي في وسط البلد بشتري طلبات للبيت. كنت ماشي بالعربية بتاعة المشتريات ومخي سارح كالعادة. فجأة، عيني جت على ست واقفة قدام رف المنظفات. كانت لابسة فستان هادي، ولمة شعرها بنفس الطريقة اللي بحبها. قلبي دق بعنف.. مش ممكن.. دي نور!
رجلي شالتني ورحت ناحيتها من غير ما أحس. وقفت وراها وبصوت مرعوش قلت نور؟
لفت لي. أول ما شافتني، عينيها وسعت من المفاجأة. ملامحها كانت متغيرة، وشها كان رايق، وفي عينيها لمعة تفاؤل مكنتش بشوفها معاها في أيامنا الأخيرة.
إيهاب؟ أهلاً.. أزيك؟ قالتها بهدوء وصوت واثق زلزل كياني.
أنا.. أنا تمام، الحمد لله. إنتي عاملة إيه؟ وأخبارك إيه؟ كنت بتأتأ زي العيال الصغيرة.
الحمد لله في فضل ونعمة من ربنا، بشتغل وبكمل دراسات عليا، ومقضية وقتي مع بابا وماما.
نزلت عيني على إيدها بالتبعية.. مكنش في دبلة. حسيت براحة غريبة مش من حقي أحس بيها. لسه هفتح بوقي وأتكلم، لقيت أسماء جاية عليا من بعيد، وبطنها قدامها في الشهر السابع، وبتنادي بصوت عالي إيهاب! إيهاب هات الشامبو ده عشان عليه عرض.
نور بصت لأسماء، وبصت لبطنها الكبيرة. شوفت في عينيها كسرة سريعة جداً، خطفها الوجع لثانية واحدة، بس بسرعة الست الذكية القوية، لمت نفسها، وابتسمت ابتسامة صافية وقالت ألف مبروك يا إيهاب.. ربنا يقر عينك بيه ويجعله ذريّة صالحة. عن إذنك.
مشت. مشت وسابتني واقف في مكاني مش قادر أتحرك. أسماء جت وقفت جنبي وبصت ورا نور مين دي يا إيهاب؟ تعرفها؟
بصيت لأسماء وبصيت للفراغ اللي سابته نور وقلت بنبرة ميتة دي.. دي كانت معرفة قديمة.
الحبكة لما الماضي يرجع يطاردك
اللقاء ده شقلب كياني. مكنتش بنام. الفلوس اللي في إيدي والمشاريع اللي بتكبر مكنتش معوضاني عن إحساس الأمان اللي خسرت الصاحب الحقيقي بتاعه. أسماء بدأت تلاحظ السرحان بتاعي، وبدأت الغيرة تدخل قلبها، والمشاكل تزيد. إنت مابتتكلمش معايا ليه؟ إنت دايمًا سرحان! إنت ندمان إنك اتجوزتني؟
وفي ليلة من ليالي الشتا الصعبة، جالي تليفون من رقم غريب الساعة ٢ بالليل. رديت وصوتي كله نوم أيوة، مين؟
صوت راجل غريب ومخضوض قال أستاذ إيهاب؟ أنا جاد، جوز أخت الأستاذة نور.. نور في المستشفى الدولي، وعملت حادثة كبيرة بالعربية وهي راجعة من المحاضرة، وحالتها حرجة.. وهي قبل ما تغيب عن الوعي، قالت اسمك وقالت كلموا إيهاب.
التليفون وقع من إيدي. الدينا اسودت في عيني. نور؟ نور تموت؟ نور تروح مني للأبد؟
قمت زي المجنون ألبس هدومي. أسماء صحيت مفزوعة في إيه يا إيهاب؟ رايح فين في نص الليل؟
زعقت فيها وعقلي مش معايا نور عملت حادثة وبين الحياة والموت!
أسماء وقفت قدام الباب وبطنها قدامها وصوتها اتغير وإنت مالك بنور؟ نور دي طليقتك! إنت رايح لها بصفتك إيه؟ إنت ناسي إنك متجوز وعندك طفل جاي في السكة؟ لو خرجت من الباب ده دلوقتي يا إيهاب، تنسى إن ليك بيت وتنسى ابنك اللي هيتولد!
وقفت عند الباب، باصص لأسماء اللي بتهددني ببيتي الجديد وابني اللي مستنيه طول عمري، وباصص للطريق اللي هيوديني لنور.. الست اللي ضحت بعمرها كله عشاني، واليوم وهي بتموت، ملقيتش غير اسمي تنطق بيه.
يتبع في الفصل الأخير...
الفصل الرابع والأخير الروح اللي راحت.. ونور اللي فضلت

تم نسخ الرابط