دور كورونا كاملة بقلم الكاتبة اماني سيد

لمحة نيوز

قاعدة في الصالة لوحدي.. خافة من المرض، بس شايلة فوق ضهري جبل من الندم والخزي. عرفت وقتها إن الفلوس والبيوت الكبيرة والعامرة بالخير متساويش حاجة لو القلوب جفت من الرحمة، وإن الواحدة مننا ملهاش في الدنيا دي إلا الكلمة الطيبة والأصل النضيف.. وأنا خسرت كل ده بسبب أنانيتي وجحودي.
الخاتمة حُطام الكبرياء.. ودعاء التوبة
لميت هدمتي في شنطة صغيرة وأنا إيدي بترعش، وكل خطوة كنت بخطيها في الشقة كانت بتسحب من روحي حتة. بصيت على باب أوضة مرام المقفول، كان نفسي أدخل آخدها في حضني، كان نفسي أبوس راس العيال الصغيرين وأقولهم سامحوا تيتة الأنانية، بس مكنش ليا عين.. الوجع اللي سبتهالهم كان أكبر من أي كلمتين اعتذار.
خرجت من باب الشقة وجريت رجلي بالعافية ونزلت السلم وأنا حاسة إن ظهري انحنى مية سنة. ركبت التاكسي ورجعت شقتي.. الشقة اللي خفت أقعد فيها لوحدي، رجعت لها وأنا في قمة انكساري. أول ما فتحت الباب ودخلت، البيت كان ضلمة وكئيب، والحيطان كأنها بتلومني وبتقولي أهو رجعتِ لواحدك أهو..
بعد ما ذيتِ الناس وخسرتِ نفسك.
المواجهة مع الابن والغربة المرة
أول ما قعدت على السرير، تليفوني رن.. كان ابني من الغربة. أول ما سمعت صوته انفجرت في العياط ومقدرتش أمسك نفسي. هو اتخض وبقى يقولي مالك يا أمي؟ في إيه؟ مرام كلمتني وقالت لي إنك كنتِ عيانة عندها وأهو الحمد لله خفيتِ ورجعتِ بيتك.. بس صوتك مش عاجبني!
عرفت وقتها إن مرام، بأصلها النضيف، محكتلوش عن قسوتي وجحودي، ولا قالت له إن أمه رميتها هي وعيالها في التهلكة عشان متوجعش قلبه في غربته وتكرهه فيا. كبرت في عيني أكتر وأكتر، وحسيت بذنب يهد جبال. قلت له وأنا بشهق
يا ابني.. مراتك دي جوهرة، مراتك دي أصيلة وتشيلها فوق راسك العمر كله وتتحامى في طوب الأرض عشان ترضيها.. أنا ظلمتها يا ابني، ظلمتها وجحدت عليها وهي شايلاني في عينيها.. أوعى في يوم تزعلها يا حازم، دي بركة بيتك الحقيقية مش الفلوس اللي بتبعتها.
ابني سكت للحظة، وحسيت بنبرة حزن وفهم في صوته وكأنه عارف طبعي وعارف إن مرام دارت عليا، وقال بصوت حنين
ربنا يهديكي يا
أمي.. مرام بنت أصول وعمري ما شفت منها إلا الخير.. ادعي لها يا أمي، ادعي لها وادعي للعيال ربنا يشفيهم، لأنها كلمتني وهي تعبانة وبتقولي إنهم سخنين وكلهم بيكحوا.
قفلت مع ابني، والكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. كلهم بيَكحوا وسخنين.. بسببي أنا! بسبب لقمة وخدمة استخسرتهم في نفسي وفي بناتي، ورميت بيهم ناس ملهمش ذنب.
حصاد الندم.. ودرس العمر
قعدت الأسبوع اللي بعده في شقتي لوحدي.. بناتي مكنوش بيجوا، كانوا بيسيبوا لي الأكل على باب الشقة ويمشوا جري من برة برة يخافوا يدخلوا عشان العدوى. كنت بفتح الباب آخد الأكل وأنا ببتسم بسخرية ومرارة وأقول لنفسي سبحان الله! الملك لله.. بناتك اللي خفتِ عليهم، خايفين يشموا ريحتك.. والمرمية في شقتها تعبانة بسبك، هي اللي دارت عليكي ومشتكتش لجوزها.. أهو ده حصاد الأنانية يا فوزية.
طول الأيام دي، مكنش ورايا غير السجادة والدعاء.. كنت بصلي وأنا دموعي مغرقة قماش الطرحة، برفع إيدي للسما وبقول يا رب اشفيهم.. يا رب شيل عن مرام وعيالها، العقاب عقابي أنا والذنب
ذنبي أنا.. البنت ملهاش ذنب، دي كانت بتخدمني بلقمتها وصحتها وراحة بالها.. يا رب متوجعش قلبي في أولاد ابني بسببي.
تليفوني مكنش بيفارق إيدي، كنت بكلم مرام كل كام ساعة أطمن عليها.. في الأول كانت بترد بنبرة ناشفة ومختصرة، بس مع الأيام، ولما لقتني بتبهدل في العياط وبترجاها تسامحني وبدعي لها من كل جوارحي، قلبها الطيب حن.. وفي آخر مكالمة قالت لي وصوتها لسه دبلان من أثر التعب خلاص يا ماما.. مسامحاكي.. إحنا الحمد لله بقينا أحسن والدكتور طمنا.. ادعي لنا بس ربنا يتم شفايا أنا والولاد على خير.. وإنتِ كلي كويس وخلي بالك من صحتك.
قفلت الخط وأنا حاسة إن روحي ردت فيا شوية، بس الدرس كان ا حفر في قلبي بمسامير من نار. اتعلمت إن الجبروت آخره كسر، وإن الفلوس والخير اللي بنتدل بيهم على الناس ممكن يغوروا في ثانية لو معاهمش رحمة وأدب.. وأن الواحدة مننا ملهاش إلا أصلها الطيب، والأصل ده مبيتشتريش بمليون جنيه من شقى الغربة.. الأصل ده رزق من عند ربنا، ومرام كانت هي الرزق اللي أنا مكنتش عارقة
قيمته.
النهاية

تم نسخ الرابط