بيـت فـاضي كـاملة بقلـم منـي الـسـيد
الجزء الأول: البيت اللي فضي
حماتي باعت كل أجهزة البيت الغالية في صمت.. وجوزي؟ كان بارد وكأن الموضوع ملوش علاقة بيه. ولما عرفت الحقيقة.. العيلة كلها اتهزت.
بقلم منــي الـسـيد
لما رجعت من الشغل، كانت هدومي لازقة على ظهري من كتر العرق والنهدنة. أول ما فتحت باب شقتنا الصغيرة في الدور الـ12.. جسمي اتخشب.
المطبخ.. كان فاضي.
الثلاجة الـ "دوبلكس" الاستانلس اللي لسه شارياها الأسبوع اللي فات.. اختفت.
مفيش غير علامتها على الحيطة، والفيشة مدلدلة بتتهز لوحدها في الهوا.
وقفت ثواني مبرقة، وبعدين لفت ببطء:
— يا ماما "روقية".. فين الثلاجة؟
حماتي — ست روقية — كانت قاعدة على أرض المطبخ، بتقطع خضار بمنتهى البرود ولا كأن في حاجة حصلت. حتى مارفعتش عينها في عيني:
— آه.. بعتها.
للحظة افتكرت إني سمعت غلط:
— بعتيها؟!
— أيوه بعتها.. كانت بتسحب كهرباء كتير، والمية الساقعة بتتعب الزور يا بنتي.
بصيت للفراغ اللي سابته الثلاجة.. دي كانت مكلفاني 18 ألف جنيه. نقيتها بالواحدة، وسألت على استهلاكها، وقارنت ماركات، وقسطتها وأنا حاسبة كل قرش.
وهي.. بعتها.
من غير كلمة، من غير استئذان، ولا حتى تلميح. متوفرة على روايات و اقتباسات
جوزي "محمود" كان قاعد على كرسي بلاستيك جنب الشباك، بيهوي على وشه بمانشيت جورنال قديم. مأنطقش بكلمة.
في اللحظة دي.. مكنتش عايزة أعرف غير حاجة واحدة:
هي "وفرت" كام بالظبط؟ والفلوس دي رايحة فين؟
روقية جات تعيش معانا من سنة، بعد ما سابت بيتها في
قبل ما تشرف، حياتي مكنتش مثالية.. بس كانت متستفة.
كنت شغالة مديرة تسويق في شركة "ستارت أب" في المعادي، ومرتبي بيوصل لـ 15 ألف جنيه.
محمود كان موظف حكومة بعقد مؤقت، مرتبه يدوب 2500 جنيه.
أنا اللي كنت بدفع الإيجار.
أنا اللي شايلة البيت من الإبرة للصاروخ.
لما كلمتنا وقالت إنها عايزة تعيش معانا، اتكلمت بنبرة غلبانة لدرجة إني اتأثرت:
— أنا هاجي أساعدك في تربية الولد وأطبخ لكم لقمة نظيفة.
وصدقتها.متوفرة على روايات و اقتباسات أول يوم ليها، فتحت كل دواليب المطبخ وفضلت تعاين في صمت.. وبعدين بدأت ترمي نص الحاجة في الزبالة:
— لبن لوز؟ المية موجودة تشربوا لبن لوز ليه؟
— سلمون؟ ده أكل ناس معندهاش عقل ولا نظر.متوفرة على روايات و اقتباسات
— العنب ده بـ 40 جنيه الكيلو؟ إنتوا مابتعرفوش توفروا مليم.
كنت ببتسم وأسكت.. قلت أول يوم، وأنا مش عايزة مشاكل.
ثاني يوم.. شالت فيشة الميكروويف:
— الأكل يتسخن على البوتاجاز، البتاع ده بياكل الكهرباء أكل.
ثالث يوم.. خفت المكنسة الكهرباء:
— المقشة طول عمرها بتستر البيوت.
رابع يوم.. قفلت محبس الغاز طول الظهر:
— اطبخي مرة واحدة وكلي مرتين، جيل دلوع بيحب الهدر.
خامس يوم..
باعت الـ "قلاية الهوائية" (Air Fryer).
وقفت قدامها وأنا مش قادرة أداري غضبي:
— يا ماما روقية.. الحاجات دي أنا اللي دافعة تمنها من شقايا.
رفعت عينها ببرود وكأنها هي اللي مجني عليها:
— دفعتي؟ يا بنتي البنت لما تتجوز مفيش حاجة اسمها فلوسها.. كله بيبقى مال
بصيت لمحمود.. كان موطي راسه في الموبايل. بقلم منـي الـسـيد
ولا نطق بكلمة.
شهر واحد.. وفي خلال الشهر ده بدأت الأجهزة تختفي بالتدريج:
المكنسة.. القلاية.. الميكروويف.. الثلاجة.. وحتى الأكل الغالي.
وفي مكان الثلاجة، علقت "سبورة" بيضاء على الحيطة.. مكتوب عليها باللون الأحمر:
**"التوفير هو الغنى"**
كل يوم ده أول منظر بشوفه وأنا داخلة من الشغل.
في الشهر الثاني، بدأت تتحكم في الأنفاس:
الغسيل مرة واحدة في الأسبوع.
مفيش نور بعد الساعة 9 بالليل.
المروحة على "واحد" بس مهما كان الحر.
في ليلة رجعت البيت متأخر، الساعة كانت داخلة على 11. الشقة كانت ضلمة كحل.متوفرة على روايات و اقتباسات
مشيت أتحسس الحيطان لحد ما اتكعبلت في لعبة ابني.
لما فتحت النور.. شفت باب أوضتها موارب.متوفرة على روايات و اقتباسات
كانت لسه صاحية.. بتتفرج على فيديوهات من الموبايل.
ومشغلاه على البطارية عشان ماتسحبش كهرباء من البيت!
وقتها حسيت.. إن في حاجة غلط.. حاجة كبيرة.
بس مكنتش عارفة هي إيه.
لحد ما في ليلة، فتحت أبلكيشن البنك بتاعي.. وشفت الكارثة.
الفلوس بتنقص.
مش مبالغ ضخمة مرة واحدة.. بس سحوبات متكررة.
مبالغ صغيرة.. في أيام مختلفة.
أسبوع بعدها، استأذنت بدري من الشغل.
مروحتش البيت.. رحت سوق "العتبة" في منطقة فيها تجار مستعمل.
وهناك.. شفتها.
ثلاجتي العزيزة.. وعليها تيكت السعر: "9 آلاف جنيه".
نص التمن اللي دفعته فيها!
قربت من البياع وسألته:
— الثلاجة دي جاتلك منين؟
—
قلبي وقع في رجليا:
— تعرفها؟
— لا، بس هي بتيجي تبيع حاجات هنا كتير.
اتسمرت مكاني:
— كتير؟
— تقريباً كل أسبوع بتفوت علينا.
كل أسبوع!
وقبل ما أمشي، كمل البياع كلامه وهو بيعد فلوسه:
— الست دي باين عليها بتجمع قرشين لحاجة كبيرة.
"حاجة كبيرة"؟
رجعت البيت وجسمي متلج من الصدمة.
بس لما دخلت، كل حاجة كانت "طبيعية".
روقية بتطبخ.. ومحمود قدام التلفزيون.
بصيت لها مباشرة:
— يا ماما روقية.
— نعم يا بنتي؟
— الفلوس.. عملتي بيها إيه؟
إيدها وقفت في الهوا وهي بتقلب الأكل:
— فلوس إيه؟
— فلوس الحاجات اللي بعتيها من ورايا.
سكتت تماماً.
محمود بص لي لأول مرة.. وشه كان محتقن:
— "كاميليا".. إنتي مش مفروض تتدخلي في الموضوع ده.
— مش مفروض أتدخل؟ دي حاجاتي!
— حاجاتك؟ البيت ده كله ملك العيلة، افهمي بقى.
بصيت لمحمود بقرف:
— وإنت يا محمود؟ كنت عارف؟
مسح وشه بإيده وهو متوتر:
— متكبريش الموضوع يا كاميليا..
ضحكت بوجع.. بس من جوه كان في حاجة في قلبي انكسرت.
طلعت الموبايل.. فتحت الأبلكيشن.. ووريته ليهم هما الاثنين:
— يا ماما روقية.. أنا راجعت حساباتي.
— في خلال 3 شهور..
— في "120 ألف جنيه" ممسوحين من الرصيد.
محمود برأ عينه وصاح:
— إيه؟ كام؟!
بصيت لحماتي في عينها:
— أنا عايزة أعرف حاجة واحدة بس.. الفلوس دي راحت فين؟
الشقة كلها بقت زي القبر.. مفيش صوت غير نهجان مكتوم.
ماردتش.. بس إيدها بدأت تترعش بعنف.
وفجأة—
موبايلها اللي على الرخامة نور واهتز.
رسالة
**"ده آخر ميعاد للدفع.. لو الفلوس مكنتش عندي النهاردة، هننشر كل حاجة."**