هـدنة مؤقتـة كـاملة بقلـم منـي الـسـيد

لمحة نيوز

وش "عمر" نور، وبان عليه الرضا من ردها، وبدأ يحكي عن الشغل، وعن مديره الجديد، وعن حفلة الشركة الشهر الجاي.
"فاطمة" كانت بتهز راسها في الأوقات المناسبة، وتصبله الشاي، وتشيل الأطباق من على الترابيزة.
بس في مكان عميق جواها، المكان اللي كان مليان من ساعة واحدة بس بالامتنان للزوج والسند، كان بيتولد إحساس جديد.. إحساس بارد وقاسي.
مش زعل.. لأ. احتقار! احتقار للإنسان اللي حاطط آلة حاسبة مكان قلبه، اللي قعد تلات سنين يسجل في جدول كل حفاضة اشتراها لابنه.
بعد شهر، "عمر" فكرها بالدين. قالها ببساطة في وسط الكلام:
"إيه الأخبار يا فاطمة؟ هانت ولا إيه؟"
هزت "فاطمة" راسها وهي بتهرب بعينيها منه: بقلم منــي الـسـيد 
"هانت.. قريب أوي كل حاجة هتخلص."
استنت بصبر لحد يوم أجازتها، لما "عمر" نزل شغله الصبح بدري.
لمت هدوم "ياسين" بسرعة؛ تيشرتاته، بناطيله، دبدوبه اللي بيحبه، وكتب التلوين بتاعته.
وبعدين لمت هدومها.. ماكانوش كتير بعد سنين الجواز دي كلها. شنطتين سفر وتلات أكياس. هي دي كل حياتها.
شقة الأوضة وصالة اللي أجرتها استقبلتهم بالهدوء. "فاطمة" كانت بتحوش من مرتبها، بتعد الجنيه فوق الجنيه، وكانت بتحرم نفسها حتى
من إنها تشتري طرحة جديدة، عشان تقدر تجمع مقدم الإيجار وتأمين الشقة.
"ياسين" كان بيجري في الأوضة الفاضية، فرحان بصدى صوته بين الحيطان العريانة، أما "فاطمة" فقعدت على الأرض، وسندت ضهرها على الحيطة الساقعة تحت الشباك، وساعتها بس.. سمحت لنفسها تعيط.
التليفون رن بعد ساعة بالظبط. الشاشة نورت باسم "عمر"، و"فاطمة" فضلت باصة للتليفون اللي بيهتز ثواني قبل ما تسحب صباعها على الشاشة وترد.
"إنتي فين؟" "عمر" كان بالعافية ماسك غضبه. "أنا رجعت البيت لقيته فاضي. فين الهدوم؟ وفين ياسين؟"
"فاطمة" ضغطت التليفون على ودنها، وأخدت نفس عميق:
"أنا قررت نتطلق يا عمر."
سكتة طويلة على الناحية التانية من الخط استمرت ثواني، وبعدها "عمر" ضحك بصوت عالي.. ضحكة عصبية ومليانة غل. بقلم منــي الـسـيد 
"نعم؟ إنتي اتخبطتي في دماغك؟"
"مش إنت اللي قولت إني مديونة لك بربع مليون جنيه؟" "فاطمة" اتكلمت بهدوء، رغم إن قلبها كان بيدق كأنه هيطلع من حنجرتها. "أهو أنا سيبتهالك.. ابقى ارفع قضية في المحكمة وطالب بالدين ده. وأنا هرفع قضية نفقة. ونبقى نشوف في الآخر مين اللي مديون لمين."
"آه يا....!" "عمر" صوته عليّ وزعق، و"فاطمة" بعدت التليفون
عن ودنها. "يا مادية! أنا بقالي تلات سنين بأكلك وبصرف عليكي، وإنتي مش هامك غير الفلوس!"
"فاطمة" قفلت السكة وعملت التليفون صامت. التليفون فضل يتهز.. مرة، والتانية، والتالتة.
بس هي حطته على جنب، وقامت تساعد "ياسين" يرص لعبه في ركن الأوضة.
هيجي وقت للتفكير والزعل، بس دلوقتي ابنها فرحان ببيتهم الجديد، وده كان أهم حاجة.متوفرة على روايات و اقتباسات 
قضية الطلاق أخدت تلات شهور. جلسات، وورق، وأقوال من الطرفين.
"عمر" جه المحكمة مع المحامي بتاعه، ومعاه جدول الإكسيل الشهير مطبوع على عشر ورقات.
القاضي، راجل في الخمسينيات باين عليه الإرهاق، قلب في الورق ده بوش خالي من أي تعبير.
"يعني إنت عايز تسترد من طليقتك مصاريف ابنك؟" سأل القاضي وهو بيبص لـ"عمر" من فوق النضارة.
"مصاريف إعاشة البيت،" عدل "عمر" كلامه. "هي قعدت تلات سنين مابتشتغلش!"
"هي قعدت تلات سنين في إجازة رعاية طفل عشان تربي ابنكم،" القاضي ركن الورق على جنب. "مفيش أي سند قانوني يخليك تطالب بالفلوس دي. تُرفض الدعوى."
"فاطمة" كانت قاعدة في الجنب التاني من القاعة، وبتراقب ملامح طليقها وهي بتتغير.. من ثقة وغرور، لصدمة وغضب.
النفقة اتحكم بيها في نفس
اليوم، مبلغ محدد وثابت، لأن مرتب "عمر" الرسمي في الورق كان ملاليم، بينما مرتبه الحقيقي كان بياخده في إيده برا الحسابات. بس القاضي كان خبرة وشايف الألاعيب دي ومقفلها.
"عمر" طار من القاعة وهو بيغلي، ومابصش حتى ناحيتها.
"فاطمة" لمت ورقها في شنطتها، ومشيت ناحية الباب. وعلى سلم المحكمة، لحقتها "الحاجة سعاد".
"فاطمة.. استني."
"فاطمة" وقفت، وهي مستعدة لأي حاجة.. اتهامات، زعيق، عياط.
لكن حماتها.. حماتها السابقة، كانت واقفة قدامها بملامح مكسورة وضايعة.
"سامحيني،" الحاجة سعاد قالتها بصوت واطي ومن غير ما ترفع عينيها. "أنا مش عارفة إزاي ربيت ابن ناقص كده. أنا مكسوفة منه يا فاطمة.. مكسوفة بجد."
"فاطمة" سكتت، ماكنتش عارفة ترد تقول إيه على الصدق والمفاجأة دي.
"ممكن تخليني أشوف ياسين؟" الحاجة سعاد رفعت عينيها أخيراً، والدموع كانت بتلمع فيها. "أبوس إيدك، ده حفيدي الوحيد، ومقدرش أتخيل حياتي من غيره." بقلم منـي الـسـيد 
"فاطمة" سكتت كام ثانية، وبعدين هزت راسها:
"أكيد يا حاجة سعاد. أنا اتطلقت من عمر، ماتطلقتش منك. تعالي وقت ما تحبي.. هبعتلك العنوان."
"فاطمة" كملت طريقها للبيت. النهاردة، بيبدأ فصل جديد في
حياتها.

النهاية بقلم منــي الـسـيد 

تم نسخ الرابط