قـلب حجـر كـاملة بقلـم منـي الـسـيد

لمحة نيوز

بين الحياة والموت.. ومكالمة "حماتي"
الحكاية بدأت امبارح بليل، ليلة زي أي ليلة عادية. السفرة كان عليها طبق الفول وشوية جبنة قريش وعيش طازة لسه جايبه "عم إبراهيم" والدي وهو راجع من صلاة العشاء. والدي مكنش من النوع اللي يشتكي أبدًا، طول عمره صابر وشايل. عشان كده لما شفته ساب اللقمة من إيده وفجأة كتم نفسه وحط إيده على صدره، قلبي انقبض. بقلم منــي الـسـيد 

 ملقطش أنفاسه، مقالش "أنا تعبان"، مخرجش منه غير نظرة تايهة.. نظرة خوفتني أكتر من الصراخ. متوفرة على روايات و اقتباسات **"يا بابا؟"**.. سألته وأنا حاسة إن معدتي بتتعصر من الخوف.
بص لي بعيون كان دايما فيهم لمعة قوة، بس اللمعة دي كانت بتطفي قدامي. الهواء في البيت فجأة بقى تقيل، وكأن الأوكسجين هرب من الأوضة.
### في ممرات القصر العيني
كل حاجة حصلت بسرعة البرق. طلبت تاكسي، لبسته جاكت الصوف بتاعه، وسندته وهو بيجر رجليه بالعافية. القاهرة كانت صاحية بضوضائها، ناس بتضحك وعربيات بتزمر، وأنا مش سامعة في الدنيا دي كلها غير صوت تزييق صدره وهو بيحاول ياخد نَفَس.
وصلنا الاستقبال في المستشفى.. زحمة، ووجوه تعبانة، ودكاترة بيجروا. "استني بره يا مدام"، جملة اتقالت ببرود وكأن "الانتظار" ده شيء سهل، وهما ميعرفوش إن كل دقيقة بتعدي بتنهش في عمري. بقلم منـي الـسـيد 
بعد ساعات طويلة، خرج دكتور شاب، ملامحه كانت جد زيادة عن اللزوم:
> "والدك عنده انسداد في الشرايين التاجية، والحالة حرجة.. إحنا بنعمل اللي علينا، بس هو محتاج عناية مركزة ومتابعة لحظة بلحظة."
> متوفرة على روايات و اقتباسات
الأرض لفت بيا. أنا أمي اتوفت وأنا عندي عشر سنين، ومن يومها "عم إبراهيم" كان هو السند والضهر، هو اللي شقي وطفح الكوت عشان يربيني ويعلمني أحسن علام. ودلوقتي؟ الضهر ده نايم ورا باب أبيض، متوصل بخراطيم وأجهزة بتصفر طول الوقت.
دخلت أشوفه لدقايق.. كان نايم والماسك مغطي نصه وشه. مش ده الراجل اللي كان بيشيلني على كتفه، ولا ده اللي كان بيصمم يشتري لي حاجة حلوة وهو راجع من شغله مهما كان تعبان. مسكت إيده.. كانت سقعانة زي التلج.
**"

أنا جنبك يا بابا"**.. همست في ودنه وأنا مش عارفة هو سامعني ولا الروح بتتسحب منه.
### الـ 22 مكالمة
منمتش، مكلتش، ومفكرتش في أي حاجة غيره.. لحد ما الموبايل بدأ يزن.
الساعة كانت 9 الصبح لما خرجت الطرقة أرد. الاسم على الشاشة خلاني أغمض عيني بضيق.. "حماتي.. الحاجة كريمة".
فتحت الخط، ومسلّمتش حتى:
— "إنتي فين يا ليلي ؟ ليه منزلتش المطبخ لحد دلوقتي؟ أنا مش قولت لك إني عايزة سمك ورز صيادية النهاردة؟ نسيتي ولا بتستهبلي؟"
حسيت بغصة في حلقي، بصيت من ورا القزاز على والدي وقولت بحشرجة:
— "يا حاجة كريمة، بابا في الطوارئ.. حالته صعبة جدًا، مش هقدر أسيبه."
سكتت لحظة، افتكرت إن قلبها حن.. بس الصدمة كانت في ردها:
— "وبعدين؟ أبوكي مش مقطوع من شجرة، أكيد فيه حد غيرك يشوفه. إنتي ليكي بيت وواجبات هنا. هشام محتاج يتغدى، وأنا صحتي مقتدرش أقف قدام البوتاجاز في السن ده."
ضغطت على الموبايل وصابعي بيترعش:
— "بقول لحضرتك والدي بيموت، مش هقدر."
ردت ببرود:
— "هتقدري.. تعالي خلصي اللي وراكي وارجعي له تاني، مش طالبة منك المستحيل يعني!"
قفلت السكة وهي بتبرطم، وافتكرت إن الموضوع خلص.. لكنها بدأت "الحرب".
عشر دقايق.. رنة.
ربع ساعة.. رنة.
الموبايل مبيسكتش، وكأنها بتقولي "ممنوع ترتاحي حتى وإنتي بتموتي من القهر".
على الساعة 12 الضهر، الموبايل كان فيه **22 مكالمة فائتة**.
### اللحظة الفاصلة
خرجت لآخر الطرقة عند الشباك، بعيد عن دوشة العنابر. رديت المرة دي بصوت هادي.. هدوء مرعب.
— "ها؟ جاية ولا لأ؟" صوتها كان أحدّ وأقوى، "يعني أسيب نفسي من غير أكل؟ بقولك تعالي اعملي لقمة وامشي، غاوية نكد ليه؟"
غمضت عيني، وشفت صورة والدي وهو بيصارع عشان يفضل معانا. شفت شقاه وتعبة السنين. وفي اللحظة دي، الخوف اللي كان جوايا من "زعلهُم" اتبخر.
قولت لها بالحرف، بكل ثبات:
> **"يا حاجة كريمة.. لو النهاردة مطلوب مني أختار بين إني أجي أطبخ وأغرف لك أكل.. وبين إني أفضل ماسكة إيد أبويا وهو بيحاول يتنفس آخِر أنفاسه.. فـ صدقيني، مفيش مجال أصلاً للتفكير.. خلي الأكل ينفعك."**
> متوفرة على روايات و اقتباسات
وقفلت
السكة. ومن اللحظة دي.. التليفون مسكتش بس، ده العالم كله سكت، ومفضلش غيري أنا وإيد بابا اللي بدأت تدفى في إيدي.

### الجزء الثاني: لحظة الحساب.. والطريق للمنصورة
ساد السكون.. مش السكوت اللي بيعدي في ثواني، لأ، ده كان سكوت تقيل، كأن الكلمة خبطت في وشها وقطعت عندها الإرسال. فضلت ضاغطة على السماعة في ودني، مش عشان أسمع ردها، بس عشان أسند نفسي من الرعشة اللي في جسمي.
— **"أبويا ملوش غيري يا حاجة كريمة"**.. كملت وصوتي بيزداد ثبات، "إنتي ليكي ابنك هشام، وعندك بيت، وعندك أكل.. لكن هو، ملوش في الدنيا دي كلها غير إيدي اللي ماسكاها دلوقتي."
مستنيتش أسمع رد، وقفلت السكة. ولأول مرة من سنين، محستش بالذنب. فضلت باصة لشاشة الموبايل السوداء وكأني شايفة فيها وشي لأول مرة.. هل دي أنا؟ هل الصوت القوي ده صوتي؟ أنا **"ليلى"** اللي اتعودت أقول "حاضر" قبل ما يطلبوا، أنا اللي كنت بخاف أعمل صوت عشان ميزعلوش.. فجأة بقيت حد تاني.
يمكن عشان شفت "عم إبراهيم" ضعيف ومهزوم، افتكرت كل مرة شالني فيها ومسابش إيدي والدنيا بتتهد فوق دماغه. عرفت في لحظة إن مفيش حد هيحط لي حدود ويحفظ كرامتي غيري أنا. حطيت الموبايل في جيبي ورجعت الأوضة.
صوت الأجهزة اللي كان بيقبض قلبي من شوية، بقى هو أحلى صوت في ودني.. "بيب.. بيب".. يعني لسه عايش. قعدت جنبه وهمست:
— **"رجعت لك يا بابا."**
مردش، بس حسيت بصوابعه بتتحرك حركة خفيفة تحت إيدي.. أو يمكن ده كان أملي هو اللي بيتحرك.
### مكالمة "هشام" والقرار الصعب
الساعات في المستشفى مبتمشيش زي بره، الساعة بتبقى سنة، والوقت واقف بين الأمل والخوف. فجأة الموبايل هز في جيبي.. مكنتش الحاجة كريمة، كان "هشام" جوزي.
رديت بصوت مجهد: "أيوة يا هشام؟"
جاء صوته مشدود، فيه نبرة تعب وهروب:
— "يا ليلى.. أمي قالبة الدنيا، وبتقول إنك قليتي أدبك عليها وإنك عمرك ما كلمتيها بالأسلوب ده."
غمضت عيني وقولت ببرود:
— "عشان عمري ما اتحطيت في موقف زي ده يا هشام."
— "هي بس كانت عاوزاكي تيجي تطبخي.."
— "أبويا في الإنعاش يا هشام! بين الحياة والموت!"
— "أنا عارف، بس.."
— "لأ مش عارف!" قاطعته

بحرقة، "إنت مش عارف يعني إيه أشوفه بيتدبل قدامي وأنا مطلوب مني أسيبه وأروح أعمل رز وسمك وكأن مفيش حاجة حصلت!"
سكت شوية، وبعدين قال الجملة اللي بتهدم أي سقف:
— "دي أمي يا ليلى.. إنتي عارفة."
رديت عليه بكلمة واحدة هزت السلك:
— **"وهو أبويا يا هشام."**
المرة دي أنا اللي طلبت منه: "عاوزاك لمرة واحدة في حياتك.. تقف جنبي."
رد بتلعثم: "الموضوع مش سهل يا ليلى.. البيت والولاد وأمي.."
هنا عرفت إن فيه حاجة تانية انكسرت جوايا، بس الوجع المرة دي كان معاه "نور". فهمت إن المعركة دي هخوضها لوحدي. متوفرة على روايات و اقتباسات
### في طريق المنصورة.. والولادة الجديدة
دخل الدكتور الأوضة، ملامحه كانت متغيرة:
— "يا مدام، الحالة حرجة جدًا، وإحنا هنا عملنا اللي نقدر عليه، بس لازم يتنقل لمستشفى تخصصي في المنصورة، هناك الأجهزة أحدث والجراحين متخصصين أكتر."
الدنيا لفت بيا.. المنصورة؟ والسفر؟ والمصاريف؟ طلعت "فيزا" التوفير بتاعتي، القرشين اللي كنت بحوشهم من شغلي "للزمان". القرش الأبيض اللي شلته لليوم الأسود.. ومفيش أسود من كده. مضيت على الأوراق، وصوت الماكينة وهي بتسحب الفلوس كان زي صوت الرصاص.. بس رصاص بيقتل الخوف اللي جوايا.
ركبت معاه الإسعاف، وصلنا المنصورة، صرح طبي كبير. دخلوه العمليات فوراً. قعدت في الطرقة لوحدي، لا هشام جه، ولا الحاجة كريمة سألت. كنت لوحدي تماماً، بس لأول مرة مكنتش خايفة.
بعد ساعات، خرج الجراح: "الحمد لله يا بنتي، لحقناه في آخر لحظة، العملية نجحت وهو دلوقتي في الإفاقة."
وقعت على الأرض من كتر العياط.. عياط الفرح، وعياط الوجع اللي انزاح. فتحت الموبايل، لقيت رسالة من هشام: "أمي بتقول إنك كبرتي الموضوع.. بس أنا عارف إنك صح. أبوكي عامل إيه؟"
كتبت له رد قصير وواضح:
**"أبويا عاش.. وأنا كمان عشت يا هشام."**
النهاردة أنا مش ليلى الضعيفة اللي بتخاف من "زعل الحموات". النهاردة عرفت إن الأهل مش اللي بيطلبوا منك تضحي بكرامتك عشان خاطر لقمة، الأهل هما اللي بيشيلوك وإنت بتقع.
لو الدنيا كلها ضاقت بيكي، افتكري إن "إيد أبوكي" أغلى من ألف عزومة، وإن اللي ميقدرش وجعك
في اللحظة دي.. ملوش مكان في حياتك بعد كده.
**تمت.**
بقلم منـي الـسـيد 

تم نسخ الرابط