المعجـزة كـاملة بقلـم منـي السـيد
أنا دلوقتي عندي 70 سنة.. من عشرين سنة فاتوا، ابني ومراته وعيالهم الاثنين كانوا راجعين لبيتهم بعد ما قضوا معايا يوم جميل في "يوم العيد".
الطريق كان زراعي وضلمة، والعربية اختلت في إيد ابني ولبست في شجر على جنب الطريق..بقلم مني السيد
الناجية الوحيدة من الحادثة دي كانت حفيدتي "أمل".. كان عندها وقتها 5 سنين بس.
الدكاترة قالوا دي "معجزة"، والبوليس قال "معجزة"، حتى الشيخ في صلاة الجنازة وهو واقف قدام تلات نعوش قال إن ربنا نجاها بمعجزة من عنده.
أمل يومها كان عندها ارتجاج في المخ وكسر في الضلوع وكدمات صعبة من حزام الأمان.. متوفرة على روايات و اقتباسات الدكاترة حذروني إني أسألها عن أي حاجة، قالوا إنها مش فاكرة غير "لخبطة وشوية صور مش واضحة"، وطلبوا مني مأضغطش عليها أبداً.
وفعلاً.. مأضغطش.
دفنت ابني وعيلته، وخدت أمل ، وبدأت أتعلم إزاي أكون "أب" تاني وأنا خلاص داخل على الخمسين.. عشنا سوا، بس عمرنا ما فتحنا سيرة الحادثة. بقلم مني السيد
ولا مرة.
لما كانت بتسألني وهي صغيرة "بابا وماما فين؟"، كنت بقولها بمنتهى الهدوء: "ده نصيب يا بنتي.. كانت عاصفة صعبة وحادثة، ومحدش له ذنب في اللي حصل".
كانت بتسمع وتسكت.. كبرت أمل وبقت زي النسمة، شاطرة وهادية، وبعد ما خلصت جامعتها ورجعت تعيش معايا عشان توفر قرشين وتشتغل في مكتب محاماة كبير.. بقت شابة عندها 25 سنة، ذكية ومستقلة، متوفرة على روايات و اقتباسات بس
من كام أسبوع، وقبل الذكرى السنوية لأهلها بكام يوم، لاحظت إنها اتغيرت.
سرحانها زاد.. وبدأت تسألني أسئلة غريبة وإحنا بنتعشى:
* "يا جدي.. هو إنت فاكر هما مشيوا من هنا الساعة كام بالظبط ليلتها؟"
* "هو البوليس جه اتكلم معاك أكتر من مرة ولا هي كانت مرة واحدة بس؟"
قلت لنفسي يمكن مجرد فضول عشان الذكرى قربت.. لحد يوم الحد اللي فات.
رجعت البيت بدري عن ميعادها، وماقلعتش حتى الطرحة ولا الجاكيت.
وقفت في الصالة وهي ماسكة ورقة مطوية في إيدها.. صوتها كان ثابت بس إيدها كانت بتترعش بوضوح.
بقلم مني السيد
قالت لي: "يا جدي.. ممكن نقعد؟"
زقت الورقة قدامي على التربيزة وقالت بجملة هزت كياني:
"لازم تقرأ دي.. أنا لازم أعترف لك بالحقيقة.. الموضوع مكنش حادثة!"
فتحت الورقة.. وقلبي دقاته وقفت فعلاً. بقلم مني السيد
كشف المستور
بصيت لـ "أمل" وأنا بحاول أضحك، كنت فاكرها بتهزر أو متأثرة بزيادة بشغلها في مكتب المحاماة.. قلت لها: "يا أمل يا بنتي، إيه اللي بتقوليه ده؟ إنتي بتذاكري قضية من قضايا المكتب ولا اتفرجتي على فيلم بوليسي جديد؟"
بس أمل مضحكتش.. قربت مني بصوت واطي ومبحوح، الصوت اللي مسمعتوش منها من وهي طفلة بتصحيني من كابوس بالليل.. قالت لي: "أنا بدأت أفتكر يا جدي.. حاجات الكل قال لي إني مستحيل أفتكرها."
مدت إيدها في شنطتها وطلعت موبايل
أنا جسمي كله اتنفض، الموباييل ده كنت فاكره ضاع في الحادثة.. سألتها بريق ناشف: "ولقيتي عليه إيه؟"
ردت وعينها مليانة دموع: "عليه رسايل صوتية من ليلة الحادثة.. وفي رسالة منهم كانت ممسوحة، بس قدرت أرجع جزء منها.. هما مكنوش لوحدهم على الطريق يا جدي.. وفي حد اتعمد إنهم ميرجعوش البيت!"
المفاجأة الصادمة (اللغز)
أمل شغلت التسجيل.. كان فيه صوت رياح، وشوشرة، وصوت موتور عربية بيصارع.. وبعدين ظهر صوت راجل مرعوب بيقول: "—مش قادر أكمل، إنت قلت محدش هيتأذي!"
وبعدين صوت تاني، حاد وبارد زي السكينة: "سوق وإنت ساكت.. إنت فوت الملف!"
التسجيل خلص هنا.. الدنيا لفت بيا، وأمل كملت وهي بتشرح لي اللي عرفته من بحثها في سجلات المحكمة القديمة وبطاقات العساكر اللي كانوا شغالين وقتها:
"يا جدي، الظابط عادل (اللي جالنا البيت ليلتها ووشه كله حزن).. الظابط ده كان وقتها تحت التحقيق في الرقابة! كانوا شاكين إنه بياخد رشاوي من شركة نقل تقيلة عشان يداري على حوادثهم ويغير المحاضر ويخليها 'بسبب سوء الأحوال الجوية' بدل ما يشيلوا هما المسئولية."
"الطريق ليلتها كان المفروض يتقفل! كان فيه مقطورة
نهاية الرحلة
قعدت على الكرسي وأنا حاسس إن جبل وقع فوق راسي.. 20 سنة عايش على إنها "قضاء وقدر"، وأتاريها كانت "إهمال وفساد".. سألتها بمرارة: "وهنعمل إيه دلوقتي يا بنتي؟ الظابط عادل مات من تلات سنين بأزمة قلبية.. حقه ضاع؟"
طلعت أمل ملف صغير من شنطتها، وقالت لي بصوت هادي: "حقهم عند ربنا يا جدي مبيضيعش.. بس الورقة دي وصلتني من أرملة الظابط عادل.. لقت رسالة كاتبها قبل ما يموت بيعترف فيها بكل حاجة، متوفرة على روايات و اقتباسات وكان خايف يبعتها.. بعتتها لي وقالت لي إنها مش قادرة تشيل الذنب ده أكتر من كده."
"أنا مش عايزة قضايا يا جدي.. أنا بس كنت عايزة أقول لك إن إحساسك كان صح.. إنت كنت دايماً بتقول إن ابني كان سواق شاطر ومستحيل يغلط الغلطة دي.. إنت كنت صح، وأنا دلوقتي بس قدرت أرتاح."
ليلتها.. ولعنا شموع وقعدنا نتكلم عن "أحمد" و"سلوى" و"ياسين" الصغير.. لأول مرة من 20 سنة، السيرة مكنتش بتوجع، كانت بتطهر الجرح.. أمل مسكت إيدي وقالت لي: "إنت أنقذتني يا جدي لما خدتني في حضنك، وأنا النهاردة رجعت لك حقك في الحقيقة.
النهاية
بقلم مني السيد