المهـمة المستحـيلة كـاملة بقلـم منـي السـيد
أب أرمل لقى ظابطة شرطة بتموت في نص الطريق.. واللي حصل بعد كده هز مديرية الأمن كلها!
المطرة بدأت بعد نص الليل بشوية.. مكنتش مطرة رقيقة، دي كانت "نوّة" من اللي بتغرق الشوارع وتخلي أنوار العربيات مجرد خيالات مهزوزة وسط العتمة. بقلم منــي الـسـيد
عصام كان بيكره الليالي اللي زي دي.. المطرة بالنسبة له يعني زباين أقل في ورشة الميكانيكا بتاعته على طريق "مصر - إسكندرية" الصحراوي، وفي نفس الوقت يعني بلاغات "عطل وتصادم" كتير ومقرفة. وعصام، كأب أرمل ومسؤول عن ابنه "ياسين"، كان كل بلاغ استغاثة في وقت متأخر معناه إنه لازم يصحّي جارتهم الست "أم محمد" عشان تقعد مع الولد.
لكن الالتزامات مبتنتهيش.. تليفونه اتهز الساعة 11:47 بالليل.
رقم مجهول.. كاد يتجاهله.. كاد.
لكن صوت "وش" وتوشيش طلع من السماعة:
"... على طريق 17... ضرب نار... في ظابط مصاب..."
والخط قطع.
عصام اتسمّر في مكانه. ظابط مصاب؟ بص للتليفون بذهول، هو لا ظابط ولا إسعاف، هو مجرد ميكانيكي وصاحب "ونش". متوفرة علي روايات و اقتباسات لكنه عارف طريق 17 ده كويس، طريق مقطوع، شجر كثيف، ومناطق مفيهاش شبكة خالص.
ضميره مريحوش.. سحب جاكتته ومفاتيح الونش، وقال لجارتهم من الشباك: "يا ست أم محمد، طالع شغلانة سحب طارئة وراجع، خلي بالك من ياسين."
بعد عشر دقائق، الونش بتاعه كان بياخد غرزة على طرف طريق 17.. كشافات الونش شقّت المطر، وكشفت عن أنوار "السرينة" الزرقاء وهي بتطفي وتولع بضعف. عربية دورية شرطة، متوفرة علي روايات و اقتباسات مقلوبة في خندق، وباب السواق مفتوح على آخره.. مفيش أي أثر لدعم أو تعزيزات.
قلب
صوته ضاع وسط رعد السما.
وفجأة شافها.. على بعد خطوات من العربية، وسط الحشيش الطويل، كانت في هيئة ملقاة على الأرض.
النقيب مريم.
بدلتها الميري كانت داكنة بفعل المطر.. والدم.
النفس هرب من صدر عصام، جرى عليها وركع على ركبه: "فوقي معايا.. ابقي معايا يا فندم!"
فتحت عينيها بالعافية.. عينين حادة بتقاوم الموت، وهمست بصوت واهن:
"أنت.. مين؟"
"أنا عصام، ميكانيكي الورشة اللي ع الطريق.. جالي تليفون مكنتش عارف من مين.. إيه اللي حصل؟"
حاولت ترفع جسمها واتألمت بشدة: "كمين.. السواق هرب.. ورجع تاني ضرب نار.." بقلم مني السيد
عصام شاف الجرح.. رصاصة في البطن، والدم امتزج بماء المطر. إيديه ارتعشت، لكن سنين الشغل تحت ضغط المحركات الميتة أعطته ثبات انفعالي غريب.
"هكلم الإسعاف والعمليات فوراً" قال عصام.
"لا!" تنهدت بضعف ومسكت معصمه بقوة.. "هم.. هم بيسمعوا."
"مين دول؟"
"اللاسلكي مخترق.. في حد من جوه المديرية.." صوتها كان بيترعش.. "متثقش في أي حد ييجي عن طريق اللاسلكي."
عصام اتصدم.. من جوه؟ حد في الشرطة خاين؟
قبضتها ارتخت وهي بتقول: "لازم تخرجني من هنا."
صوت سرينات الإنذار كان لسه بعيد، وبطيء بشكل مش مريح. عصام حس إن في حاجة غلط، وقرر قرار هيفضل يفتكره طول عمره..متوفرة علي روايات و اقتباسات شالها بحذر وهي بتصرخ من الألم المكتوم، وحطها في الونش بدل ما يستنى الإسعاف.
وهي في المقعد الخلفي، مسكت هدومه بضعف: "لو لقوني.."
رد عليها بيقين: "مش هيلاقوكي."
مطلعش على المدينة، ولا راح
دخلها وسط ريحة الغبار والمطهرات.. حطها على طاولة الكشف وقال: "أنا مش دكتور، بس أنا بعرف أصلح المواتير، وأظن الأجسام مش بعيدة عن بعض."
ابتسمت بوجع.. قطع القماش، ونضف الجرح بأفضل ما يمكن، وضغط عليه عشان يوقف النزيف وخاط الجرح بمهارته اليدوية العالية.
مرت ساعتين.. وفي الساعة 2:13 الصبح، لمح كشافات عربية من الشباك.
جمد الدم في عروق عصام.. عربية سودة، "جيب" من غير نمر شرطة. نزل منها أربعة رجالة بملابس مدنية، واحد منهم كان لابس شارة حول رقبته.. المحقق هشام.
عصام عرفه، ده محقق تقيل في المركز. بس ليه يوصل هنا قبل الإسعاف؟ وبدأوا يكسروا الباب الخلفي للعيادة.
عصام جرى على "مريم": "لقونا.."
"فتشوا كل أوضة!".. ده كان أمر "هشام" لرجالته.
عصام طفى النوار وزق خزانة قدام باب الأوضة، وقلبه بيدق لدرجة إنه خاف الصوت يفضحهم.
مقبض الباب اتهز.. "اكسر الباب!" صاح هشام.
عصام همس لمريم: "يا نقيب مريم.. بتثقي فيا؟"
بصت في عينه وقالت: "أيوة."
"يبقى مش عايز نفس."
العيادة كان فيها فتحة قديمة للتخلص من المخلفات الطبية بتأدي لزقاق ضيق ورا المبنى.. مكان ضيق جداً، لكن مفيش خيار تاني. شال مريم وضغط على نفسه ونزلها الأول وبعدين نزل وراها، متوفرة علي روايات و اقتباسات وهبطوا في الطينة ورا المبنى بالظبط أول ما الباب فوقهم اتكسر.
جرها للونش، وفجأة النوار اشتعلت تاني.. بس المرة دي كانت دوريات
المحقق هشام وشّه جاب ألوان وهو واقف على باب العيادة.. مريم استجمعت قوتها وصاحت: "اقبضوا عليه! هو ده الخاين!"
اتجمع الظباط، واتكلبش هشام، والمطرة وقفت كأن الزمن اتجمد. عصام وقع على ركبه في الطينة من التعب. المسعفين شالوا مريم على النقالة، وقبل ما يدخلوها الإسعاف، مدت إيدها لعصام: "أنت أنقذت حياتي."
هز راسه بتواضع: "أنتي اللي بطلة وقاومتي."
بعد تلات أيام، الخبر هز مصر كلها.. المحقق هشام كان شغال مع شبكة تهريب كبيرة، وكان بيصفي أي تهديد. مريم كانت بتعمل تدقيق داخلي وكشفتهم، والكمين كان فخ لتصفيتها.
الكل كان بيتكلم عن "عصام الميكانيكي".. الأب الأرمل اللي وقف قدام الفساد.
اللواء رفعت، القيادة الكبيرة، وقف قدام الكاميرات وقال: "لولا شجاعة وسرعة بديهة المواطن عصام، مكناش هنكسب بطلة زي النقيب مريم النهاردة."
بعد أسابيع، الباب خبط في بيت عصام.. فتح لقى مريم بملابس مدنية، ومعاها شنطة هدايا لياسين.
"خياطتك طلعت معوجة أوي يا عصام" قالتها وهي بتضحك وبتحسس على مكان الجرح.
عصام ابتسم بكسوف: "أنا ميكانيكي، مش جراح تجميل."
ياسين طلع من وراه وسألها: "أنتي الظابطة الحقيقية؟ بابا هو اللي أنقذك؟"
نزلت لمستوى طوله وقالتله: "أيوة يا حبيبي.. بابا ده بطل حقيقي."
مريم رفضت تتنقل لمنطقة أمان، وقررت تكمل شغلها في نفس المكان عشان "تنضف الفوضى".. وعصام مبقاش مجرد ميكانيكي، بقى رمز للنزاهة في منطقته.
وفي حفل تكريم رسمي، خد وسام الشجاعة المدني، لكن التكريم الحقيقي بالنسبة له كان نظرة الفخر في عين ابنه ياسين، والصداقة القوية
بقلم مني السيد