سرير واحد… ومسافة عمر بقلم مني السيد

لمحة نيوز

نمنا في نفس السرير عشر سنين من غير ما نلمس بعض.
الناس كلها كانت فاكرة إن جوازنا خلص… بقلم الكاتبة مني السيد 
بس الحقيقة كانت أوجع بكتير.
في جروح بتتصحّى من مجرد لمسة.
أكتر من خمستاشر سنة أنا وأحمد — لأ، أنا وأحمد ونادية؟ لا… خلينا من الأول صح:
أكتر من خمستاشر سنة، أنا أحمد ومراتي نادية، بننام في نفس السرير، تحت نفس السقف، بنتنفس نفس الهوا…
بس عمرنا ما لمسنا بعض.
مفيش خناقات.
مفيش خيانة.
مفيش مشاهد درامية قدام الناس.
بس كان فيه فراغ بين جسمينا… ساقع زي رخام مقابر الإمام الشافعي و ، اليوم اللي دفنّا فيه حلمنا.
كنا عايشين في شقة بسيطة في شبرا. الشقة اللي الصمت فيها بيبقى عادة يومية.
بالليل، نادية كانت تنام على الشمال، دايمًا مدياني ضهرها.
وأنا أطفي النور، أبص للسقف، وأعد الثواني لحد ما النوم يغلبني.
ولا مرة عدّينا الخط اللي بيقسم السرير نصين… عالمين منفصلين.
في الأول قلت تعب.
بعدين عادة.
وبعدها استسلام.
الجيران كانوا شايفينا أهدى زوجين في العمارة.
"عمركم ما صوتكم علي"، كانوا يقولوا.
"واضح إن بينكم

احترام."
محدش كان عارف إن "الاحترام" ده كان حيط.
نادية ماكنتش ست باردة.
كانت بتطبخ بحب، تكوي هدومي، تسألني عن شغلي.
وأنا أرد نفس الردود المحفوظة.
كنا زي ساعة قديمة… شغالة، بس من غير روح.
أول ليلة بطلت تلمسني كانت بعد جنازة ابننا كريم.
كريم كان عنده تسع سنين.
حرارة بسيطة.
مستشفى حكومي زحمة.
قرار طبي غلط…
وقرار مني مش هسامح نفسي عليه طول عمري.
الليلة دي، دخلت السرير من غير كلمة.
حاولت أضمها.
جسمها اتخشّب.
شالت إيدي بهدوء… بس بحزم.
قالت همس:
"لأ… مش دلوقتي."
الكلمة دي فضلت معلّقة في الأوضة… ومشيتش.
الأيام بقت شهور.
الشهور بقت سنين.
بننام جنب بعض… بس كل واحد لوحده.
أوقات كتير، قبل الفجر، كنت أسمعها بتعيّط في هدوء.
كنت أعمل نفسي نايم.
مش عشان مش مهتم…
لكن عشان مش عارف أوصل لها من غير ما أفتح الجرح تاني.
فكرت أسيب البيت كذا مرة.
بس كان فيه حاجة ماسكاني.
ذنب.
حب.
خوف.

بقـلم منـي الـسـيد 
يمكن التلاتة مع بعض.
وفي ليلة بعد سنين طويلة، كسرت الصمت.
قلت:
"نادية… هنفضل عايشين كده لحد إمتى؟"
ما لفتش.
صوتها

طلع ضعيف وبعيد:
"زي ما إحنا… ده آخر حاجة فاضلة لي."
سألتها:
"بتكرهيني؟"
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
"لأ… بس كمان مش قادرة ألمسك."
الكلام وجعني أكتر من أي شتيمة.
مع الوقت، صحتها بدأت تضعف.
وجع مستمر.
إرهاق.
تحاليل.
مستشفيات.
كنت دايمًا معاها.
جنبها…
بس بينا نفس المسافة.
يوم، الدكتور سامح طلب يقابلني لوحدي.
قال لي بهدوء:
"مراتك شايلة جواها حمل تقيل. أوقات الجسد بيتعب لما الروح تزهق من الحمل."
الكلام دخل قلبي زي السكينة.
الليلة دي، نادية ما ادتنيش ضهرها.
كانت باصة في السقف.
قالت فجأة:
"عارف أنا بطلت ألمسك ليه؟"
قلبي وقف.
قالت:
"كنت خايفة لو قربت منك… أنسى كريم."
سكتت شوية.
"كنت حاسة إن لو حسيت بدفا تاني… يبقى غيابه ما بقاش بيوجع. وكأني بخونه."
دموعها غرقت المخدة.
"الوجع ما راحش… بس أنا اتعلمت أعيش متخشبة… زي السرير ده."
قربت منها شوية… من غير ما ألمسها.
بس لدرجة إنها تسمع نفسي.
قلت لها:
"أنا كمان فقدته. وأنا كمان بعاقب نفسي. بس ما كانش لازم نعمل ده لوحدنا."
غمضت عينيها.
همست:
"عارفة… عشان كده ما كرهتكش.
أنا بس… اتجمدت."
الشهور اللي بعدها ما كانتش معجزات.
بس حاجة صغيرة اتحركت.
فجر يوم، مدّت إيديها بتردد.
أنا كمان اترددت.
أصابعنا لمست بعض… لمسة خفيفة جدًا.
ما كانتش عناق.
ما كانتش شغف.
كانت إذن.
إذن إننا نرجع بني آدمين.
مسكت إيدها.
إيدها كانت أضعف مما كنت فاكر…
أو يمكن أنا اللي نسيت إحساسها.
همست: متوفرة على روايات و اقتباسات 
"سامحيني."
قالت:
"سامحتك من زمان… بس سامح نفسك."
الشمس دخلت من الشباك لقينا نفسنا نايمين وإيدينا في بعض.
الغرفة هي هي.
السرير هو هو.
بس المسافة اللي كانت بينا… اختفت.
رجعنا لحاجات بسيطة:
قهوة الصبح مع بعض.
عيش متقسم نصين.
صمت… بس مش هروب.
وفي يوم، فتحت علبة قديمة.
شراب صغير.
سوار المستشفى.
صورة باهتة.
قالت:
"نحتفظ بيهم سوا؟"
هزيت راسي.
مش عشان ننسى…
عشان نفتكر من غير ما نتكسر.
وفي ليلة، لأول مرة من سنين، نمنا في حضن بعض.
مش بجنون.متوفرة علي روايات و اقتباسات 
بسلام.
واتعلمنا حاجة متأخرة…
بس مش متأخرة قوي:
في جوازات ما بتقعش بالصوت العالي…
بتقع بالصمت الطويل.
وفي حب ما
بيموتش…
بس بيهدى…
ويستنى حد يكون شجاع كفاية إنه يمد إيده.
احنا نمنا سنين من غير ما نلمس بعض…
بس الحب كان مستني.

بقلم الكاتبة مني السيد 

تم نسخ الرابط