غـدر القـرايب - عقـوق الـوالدين كـاملة بقلـم منـي الـسـيد
خلينا نشوف هيعرفوا يعيشوا من غيرنا إزاي!".. دي كانت آخر جملة سمعها عم منصور وهو شايف عربية ولاده بتبعد وبتختفي وسط زحمة الطريق. هما فاكرين إنهم سابوا "حمل تقيل"، ميعرفوش إن الراجل الطيب ده كان مخبي وراه ورث وملايين.. وأنا مكنتش أتخيل أبدًا إن يوم التلات ده، في عز حر يوليو، هيغير حياتي للأبد… بقـلم منـي الـسـيد
اليوم بدأ عادي جداً كأي يوم في حياتي. خلصت شغلي في العيادة بدري بعد ما كشفت على آخر الحالات اللي عندي. خرجت من زحمة القاهرة والجو كان خنقة، والسما لونها أبيض من كتر الحر، كأنها ملاية مفرودة فوق روسنا وكاتمة النفس.بقـلم منـي الـسـيد
كنت سايقة عربيتي على الطريق الزراعي القديم اللي بيربط العاصمة بالأرياف، وفجأة، في حاجة خطفت عيني وخلتني أهدي السرعة غصب عني.
على بعد أمتار من الكوبري، شوفت مشهد يوجع القلب.. راجل وست مسنين قاعدين جنب عمود نور. الست كانت لابسة فستان بسيط "دبلان" من كتر الغسيل، وجنبها راجل عجوز لابس قميص قديم وبرنيطة خوص، وحواليهم شنط قماش قديمة وشنطة سفر صغيرة باين عليها إنها شافت أيام صعبة كتير.
المشهد قبض قلبي..متوفرة على روايات و اقتباسات مش طبيعي أبداً أشوف ناس في السن ده، مرميين تحت الشمس الحارقة دي من غير حماية ولا مأوى.
لحظة المواجهة
ركنت العربية على جنب ونزلت لها. تراب الطريق كان بيعفر مع كل خطوة، ولما قربت، وشوشهم بانت بوضوح. الست كانت عينيها حمراء، وخدودها مطفية من كتر الدموع اللي نشفت عليها. أما الراجل، فكان باصص للأرض بتركيز، كأنه بيدور على إجابة في الأسفلت السخن.
قلت بصوت هادي عشان مأخضهمش: "صباح الخير يا حاجة.. خير يا والدي؟ محتاجين مساعدة؟ إيه اللي مقعدكم في الشمس دي؟"
الست رفعت راسها بالراحة، وشوفت في عينيها مزيج من الكسرة، والوجع، والرضا المُر.. حاجة مفيش إنسان المفروض يحس بيها أبداً. خدت ثواني عشان ترد، ولما نطقت، متوفرة على روايات و اقتباسات كان صوتها مخنوق ومكسور زي مية بتجري على إزاز مكسور:
"ولادي سابونا هنا يا دكتورة.. قالوا هيرجعوا ياخدونا، بس بقالنا ساعتين والوقت بيعدي ومحدش جه."
حسيت إن الهوا هرب من صدري.. إزاي؟ إزاي في حد يهون عليه يرمي أهله في الخلاء كده؟
الراجل اللي جنبها اتكلم أخيراً، صوته كان مبحوح ومحمل بحزن يهد جبال:
"متشغليش بالك يا بنتي.. هما هيجوا.. أو يمكن مش هيجوا. على العموم، إحنا بقينا حمل تقيل على الكل."
الوعد
الكلمة دي ذبحتني كأني أنا اللي اتطردت.. "حمل تقيل"؟ إزاي الناس اللي شقيت عشان ولادها تكبر، تحس إنها عبء في الآخر؟
نزلت على ركبي قدامهم ومسكت إيد الحاجة بين إيديّ، وبصيت في عينيهم بكل حنان:
"اسمعوني كويس.. أنتم مش حمل على حد، وأنا مش هسيبكم هنا ثانية واحدة. أنا هاخدكم دلوقتي لمكان آمان، وهنحل كل حاجة."
الحاج بص لي بتردد، وشوفت في عينيه نظرة شخص اتغدر بيه كتير لدرجة إنه مابقاش قادر يصدق إن لسه فيه رحمة في قلوب الناس.
الجزء الثاني: كنز في "ظرف أصفر"
أخدت عم "منصور" والحاجة "زينب" في عربيتي ورحنا على المستشفى. كانت الحاجة عندها جفاف شديد وضغطها عالي جداً من القهر والحر، وعم منصور مكنش بيفارق شنطته القديمة والظرف الأصفر اللي في جيبه،
قعدت جنبه في الاستراحة، وسألته بهدوء: "يا حاج منصور، احكي لي.. إيه اللي حصل بالظبط؟"
اتنهد تنهيدة شقت صدري وقال: "بقالي سنتين عايش عند ابني الكبير طارق.. في الأول كانت الدنيا تمام، وبعدين بدأت الإهانات.. متوفرة على روايات و اقتباسات (إنتو بقيتوا عبء)، (الأوضة ضيقة علينا)، (طلباتكم كتير).. النهاردة الصبح طارق قالنا إنه هيودينا "عزبة" حلوة نرتاح فيها.. فرحنا زي العيال الصغيرة، وافتكرنا إن قلبه حن.. ركبنا معاه، وأخوه وأخته كانوا ماشيين ورانا بعربيتهم.. وفجأة عند الكوبري، طارق ركن وقال بشوف الكاوتش، وانزلوا استنوا هنا دقيقة.. وفجأة، العربيتين طاروا وسابونا في الخلا!"
حسيت بنار قايدة في قلبي.. دي مش مجرد قسوة، ده شروع في قتل بالبطيء!
بقـلم منـي الـسـيد
المفاجأة الكبرى
مرت الأيام، وعرضت عليهم يعيشوا معايا في بيتي، خصوصاً إني عايشة لوحدي بعد وفاة والدتي. البيت نور بيهم، الحاجة زينب بدأت تزرع الورد في البلكونة، وعم منصور بقى يصلح لي كل حاجة باظت في البيت.. بقينا عيلة بجد.
وفي ليلة، عم منصور طلع الظرف الأصفر وحطه قدامي: "يا دكتورة، إنتي بنت أصول.. متوفرة على روايات و اقتباسات والظرف ده فيه سر "العزبة" اللي ولادي كانوا هيموتوا عليها."
فتحت الظرف ولقيت ورق ملكية لـ 30 فدان أرض زراعية، وبيت كبير.. بس الصدمة كانت في الاسم: الأرض كلها باسم بنته "ليلى" اللي شغالة ممرضة في الغربة برا مصر!
عم منصور حكى لي إن "ليلى" هي الوحيدة اللي كانت بتبعت شقا عمرها عشان تسدد ديون الأرض وتحافظ عليها، وعشان
بقـلم منـي الـسـيد
المواجهة والعدالة
بعد أسبوع، "طارق" ظهر قدام باب بيتي راكب عربية شيك وبيمثل الندم: "يا دكتورة أنا جاي آخد أبويا وأمي.. ده كان سوء تفاهم!"
عم منصور وقف بكل هيبة وقال له: "سوء التفاهم ده لما تنسى تجيب عيش وإنت جاي.. مش لما ترمي أبوك وأمك تحت الشمس عشان تموتهم وتورثهم بالباطل! الأرض اللي إنت بتدور عليها، بقت ملك أختك ليلى.. اللي صانتنا وإحنا بعيد، وإنت ضيعتنا وإحنا جنبك."
طارق وهند اتجننوا، ووصلت الأمور للمحاكم.. وقفنا قدام القاضي، وطارق حاول يثبت إن أبوه "خرف" أو إننا ضحكنا عليه. بس أنا وقفت بصفتي دكتورة وشهدت بكامل قواه العقلية، ونطقت الحاجة زينب بجملة هزت القاعة: متوفرة على روايات و اقتباسات "الأم بتسامح في أي حاجة.. إلا إن ضناها يرميها للموت عشان شوية تراب وفلوس.. إحنا ملناش ولاد غير ليلى."
النهاية السعيدة
ليلى رجعت من السفر، واللمة كملت. عشنا كلنا في بيت العزبة الجميل، ليلى بقت هي أختي اللي مجبتهاش أمي، وعم منصور والحاجة زينب عاشوا بقية عمرهم في عزة وكرامة، وسط خضرة الأرض وحبنا.
ومات عم منصور وبعده الحاجة زينب وهما راضيين، واندفنوا في أرضهم اللي صانوها. أما طارق وهند، فالفلوس اللي جريوا وراها طارت،بقـلم منـي الـسـيد وعاشوا عمرهم كله في ندم وكسرة، والناس في البلد لسه بتحكي قصة "الدكتورة اللي وقفت" عشان تنقذ