عـزبـة الـجارحي كـاملة بقلـم منـي الـسـيد

لمحة نيوز

كانت زينب بتاكل البواقي في صمت راسها دايما في الأرض وقلبها نشف من كتر التعود وكأن الدنيا حكمت عليها من يوم ولادتها إن ده مكانها الأخير. مكنش حد بيبص في وشها ولا حد بينطق اسمها. في عزبة الجارحي وسط غيطان القطن اللي مابتخلصش والمواجع اللي مستخبية ورا البيوت زينب مكنتش بني آدمة كانت مجرد خيال ماشي وسط الحيطان اللي هببها دخان الفرن البلدي بقلم مني السيد 
المطبخ كان هو الدنيا كلها وفي نفس الوقت كان أقسى مكان. ريحة خشب الجميز المحروق دهون المواعين القديمة وريحة الرضا بالمكتوم اللي كانت مالية المكان. ريحة بتلزق في الهدوم وفي الجلد وفي الروح.. تفكرك طول الوقت إن فيه ناس اتولدت عشان تأمر وناس اتولدت عشان توطي راسها وتسمع الكلام.
ست أنعام كانت هي الحاكمة بأمرها في المطبخ مكنتش محتاجة تزعق عشان تخوف حد كفاية رنة جزمتها على البلاط ونظرتها الناشفة اللي تخلي أجدع راجل يترعش. كانت ست اتعلمت تعيش وهي بتدوس على غيرها

وخلت ذل الناس هو سر قوتها.
ولو حد سألك قالتها وهي بتتحرك بغرور قولي إنك كلت وشبعت.
لفت وبصت لزينب ببرود وإياكي ترفعي عينك في عينه وهو داخل من الباب.
زينب هزت راسها وهي ساكتة. كان عندها تسعطاشر سنة بس إيديها كانت مشققة زي العجايز من كتر الصابون المضروب والمية الساقعة في عز الفجر. الجوع كان بيعصر بطنها بس مكنتش بتشتكي.. في العزبة الجوع كان جزء من اليونيفورم.
قلة قيمتك هي اللي حمياكي يا بت قالتها أنعام بابتسامة صفرا فهمتي
فاهمة يا ست هانم ردت زينب بصوت مخنوق.
بقلم مني السيد
قدامها على الطبلية كان فيه طبق بس مكنش محطوط لها هي.. كانت فواضل قشر بطاطس شوية رز ناشف وحتة سمين محدش رضي يلمسها.
اخلصي قالت أنعام كليها قبل ما أرميها للفراخ هما أولى بيها.
الباب اترزع والسكوت رجع تقيل تاني.
زينب قربت ببطء مكنش فيه معالق أخدت الأكل بإيدها وبلعت لقمة مرة من غير طعم. مدمعتش.. الدموع محتاجة مجهود وهي كانت خلاص مهدودة.
وفجأة
باب الصالون الجواني اتفتح. مكنش باب الخدم. خطوات واثقة صوت جزمة تقيلة بتقرب. زينب اتجمدت مكانها والأكل في إيدها.
قدامها كان واقف أدهم الجارحي.
وريث العزبة والابن الوحيد للباشا اللي لسه راجع من مصر بعد وفاة أبوه. مكنش لابس لبس الأكابر اللي في الصور قميصه كان مبلول من المطر شعره منكوش ووشه عليه تعب مش تعب سفر ده تعب روح. وفي عينيه كانت فيه نظرة غريبة نظرة مش من أهل المكان ده.
أدهم بص للطبق وبعدين بص لإيد زينب وبعدين لوشها المكسور.
إيه ده سأله بصوت هادي بس يخوف.
زينب سابت الأكل كأنه نار حرقتها سامحني يا بيه.. كنت جعانة.
أدهم مزعقش ولا رفع إيده. سحب كرسي وقعد قدامها وكسر كل القواعد اللي العزبة قامت عليها.
اسمك إيه
زينب يا بيه.
بصيلي يا زينب.
رجليها كانت بتخبط في بعض وهي بترفع عينها. كانت أول مرة حد يبص لها كأنها بني آدمة مش كأنها حتة من العفش.
طول ما أنا صاحب العزبة دي قالها بصوت زي السيف محدش هنا هياكل بواقي
حد.
ليلتها زينب أكلت عيش طالع من الفرن وجبنة بيضا وشربت لبن دافي. عيطت في سرها مش من الحزن من الراحة اللي وجعت قلبها.
الأيام اللي جت بعدها غيرت كل حاجة. أدهم بدأ يمشي في الغيطان لوحده يكلم الفلاحين ويسأل أسئلة تودي في داهية. خرج زينب من المطبخ خصص لها أوضة نضيفة وخلاها تتعلم القراية والكتابة. كل حركة بيعملها كانت بتهد في جدار الظلم القديم. وعلى قد ما الجدار كان بيتهد كان غل أنعام بيكبر.
التهمة جت زي السم في العسل
سرقت عقد الست الهانم الله يرحمها قالت أنعام بدهاء.
وفعلا العقد لادوه تحت مرتبة زينب.
أدهم سكت.. تردد.. والشك كان كفاية عشان يكسرها.
زينب انطردت في عز المطر من غير كلمة وداع من غير ما حد يسمعها. انطردت وكرامتها ممرغة في طين العزبة. استخبت في الزريبة وهي بتترعش ومتأكدة إن دي نهايتها.
ذلوها.. طردوها.. وسابوها لوحدها في العاصفة.
بس وسط الضلمة دي كان الحق لسه بيجهز نفسه عشان يظهر.
لكن الدنيا لسه مخلصتش
حكاياتها والمكتوب كان لازم يتفذ.
بقلم مني
تم نسخ الرابط