ولـدتُ وحـدي… فأنقـذتُ طفـلي وحـدي
«ماما… بالله عليك… أنا بولّد.»
تشبّثتُ بالأريكة، وجسدي يرتجف بعنف.
نظرت إليّ، ثم ألقت نظرة سريعة على ساعتِها وقالت:
«آسفة، النهارده حفلة أختك. اطّلبي أوبر.»
ضحكت أختي بصوتٍ عالٍ:
«أنا نجمة اليوم، ما تبوّظيش الدنيا.»
بعد أن غادرتا، انهرتُ تمامًا.
وبعد أيام قليلة، جاءتا إلى المستشفى…
وصرختا من شدّة الرعب.
«ماما… بالله عليك… أنا بولّد.»
كنت أتشبّث بحافة الأريكة، والعرق يبلل فستاني، وألم حاد يمزّق أسفل ظهري. كانت الانقباضات تفصل بينها أقل من خمس دقائق. لم أعد أستطيع التنفّس أو التفكير.
أمي، ليندا، لم تقف حتى من مكانها. نظرت إلى ساعتِها بانزعاج، وكأنني أُعطّل أمرًا تافهًا.
قالت ببرود:
«ما أنا قلتلك قبل كده، النهارده عيد ميلاد أختك. اطّلبي أوبر.»
على الجانب الآخر من الغرفة، كانت أختي الصغرى إيميلي تُعدّل مكياجها أمام المرآة وتضحك:
«مخططة للحفلة دي من أسابيع. أنا نجمة اليوم، ما تعمليش دراما.»
دراما…
كنت في الشهر التاسع من الحمل.
زوجي دانيال كان خارج البلاد في رحلة عمل لا يستطيع تركها. متـوفرة عـلي صفحـة روايـات و اقتباسـات.طبيبي حذّرني
والآن كانت تمسك حقيبتها.
«ماما، بالله عليك…» همست، والدموع تنهمر.
«مش قادرة أقف… حاسّة إن في حاجة غلط.»
تنهدت أمي بانزعاج:
«إنتِ دايمًا بتكبّري الموضوع. الستات بتولّد كل يوم. اطّلبي عربية.»
غادرتا معًا، تضحكان وتتحدثان عن الزينة والضيوف، وأُغلق الباب خلفهما بقوة.
كان الصمت الذي تلا ذلك مرعبًا.
حاولت الوصول إلى هاتفي، لكن انقباضًا عنيفًا ضربني. انزلقت من فوق الأريكة وسقطت على الأرض. تشوّش بصري، وكل ما فكرت فيه:
لا… ما ينفعش يحصل كده.
عندما استيقظت، أحرقت الأضواء الساطعة عينيّ، وكانت الأجهزة تصدر أصواتًا متواصلة. ممرضة تناديني بقلق:
«أنتِ في المستشفى. فقدتِ الوعي في المنزل. أحد الجيران سمع صراخك واتصل بالإسعاف.»
أدرت رأسي ببطء، والخوف يعصر صدري:
«ابني؟»
تغيّر وجهها، وترددت قبل أن تقول:
«هو حيّ… لكن حصلت مضاعفات.»
بعد أيام قليلة، جاءت أمي وأختي إلى المستشفى مبتسمتين، تحملان البالونات والزهور.
وفي اللحظة التي وقعت فيها أعينهما على
صرختا من الرعب.
سقطت البالونات من يد إيميلي. شحب وجه أمي تمامًا وهي تنظر من خلف الزجاج إلى ابني، نوح، ممددًا بلا حراك في العناية المركزة لحديثي الولادة. الأنابيب تغطي جسده الصغير متـوفرة عـلي صفحـة روايـات و اقتباسـات، وجهاز التنفّس يتولّى عملية تنفّسه.
«إيه… إيه اللي حصل؟» همست أمي بصوتٍ مرتجف.
لم أُجب فورًا. كنت مرهقة، متألّمة، وفراغ داخلي يملؤني.
وعندما تحدثت، خرج صوتي هادئًا بشكلٍ فاجأني:
«دخلت في المخاض لوحدي. أُغمي عليّ. الأطباء قالوا لو الإسعاف اتأخرت عشر دقايق، نوح ما كانش هيعيش.»
بدأت إيميلي في البكاء فورًا:
«إنتِ بتكبّري الموضوع تاني… هو كويس، صح؟ الأطفال أقوياء.»
دخل الطبيب في تلك اللحظة، وملامحه جادة:
«لا، هو ليس بخير. نقص الأكسجين سبّب إصابة في الدماغ. لا نعرف بعد التأثيرات طويلة المدى.»
ساد الصمت.
أمسكت أمي بيدي، والدموع تنهمر:
«ما كنتش أعرف إن الموضوع خطير كده… كنت فاكرة عندك وقت.»
قاطعتها بهدوء:
«إنتِ افتكرتِ ألمي إزعاج. وافتكرتِ حفلة إيميلي أهم من بنتك وهي بتولّد.»
انهارت أمي على الكرسي، تبكي بلا توقف.
وقفت إيميلي جامدة، غير قادرة على النظر إليّ أو إلى الطفل.
على مدار الأسابيع التالية، بقي نوح في العناية المركزة. تعلمت كيف أقرأ الشاشات، وكيف أكون قوية رغم الخوف، وكيف أدافع عن ابني. عاد دانيال فورًا، محطمًا عندما علم بما حدث.
حاولت أمي زيارتي يوميًا، واعتذرت بلا توقف.
إيميلي جاءت مرتين فقط، وقالت إن المستشفيات تزعجها.
وفي أحد الأيام سألتني أمي:
«لما تخرجي… تيجي تعيشي معانا؟ أساعدك مع البيبي.»
نظرت إليها طويلًا وقلت:
«لا… أنا ما بثقش فيك.»
الحقيقة آلمتها، لكنها كانت ضرورية.
الثقة لا تُبنى بالاعتذارات، بل بالأفعال، وبعض اللحظات لا يمكن إصلاحها.
اليوم، نوح في الثالثة من عمره. ما زال يواجه تحديات، لكنه يضحك، ويركض، ويمسك يدي بقوة. الأطباء قالوا إن التدخل المبكر صنع فرقًا… والحب أيضًا.
أحيانًا أعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم على الأريكة.
وتعلّمت حقيقة موجعة:
العائلة لا تعني دائمًا الأمان.
وأن تكوني أمًا يعني أن تحمي طفلك… حتى ممن خذلوك.
والآن أسألك أنت، القارئ:
لو كنت مكاني… هل كنت ستسامح؟
وأين تضع الحدّ بين العائلة وكرامتك؟
شاركنا رأيك…
بل مرآة لاختيارات يواجهها كثيرون في صمت.