أختي دلقت على فستان فرحي ج 3 حكـايات مني السيد حصري
الميكب أرتست ظبطت لي الروج والآيلاينر اللي ساحوا من العياط، ونيرة ركبت الطرحة الطويلة اللي كانت متثبتة بتاج ألماظ رقيق جداً، هادي وفخم في نفس الوقت.
وقفت قدام المراية الكبيرة... وبصيت لشكلي.
مكنتش شايفة نور اللي كانت بتترعش من ساعتين ومقهورة ومذلولة. كنت شايفة عروسة حقيقية، قوية، ضهرها مفرود وراسها مرفوعة، لابسة حب أبوها ورعايته اللي محاوطاها حتى وهو تحت التراب، وجنبها راجل بيحبها ومستعد يهد الدنيا عشان ضحكتها.
الساعة بقت 12:30 الضهر، صوت الدي جي برة في الجنينة كان بدأ يشتغل بمزيكا هادية، والناس كانت بدأت تملى المكان.
نزلت مع رامي من على السلم الداخلي للفيلا.
أول ما رجلي خطت أول درجة، والأنوار اتسلطت علينا، المزيكا سكتت لثانية، وبعدها اشتغلت الزفة البلدي والمزامير والطبول بطريقة هزت أركان الكومباوند كله. المعازيم كلهم وقفوا على رجليهم، الزغاريد طلعت من كل حتة، والعيون كلها كانت مبهورة بالفستان وبالشكل اللي محدش كان يتوقعه بعد الدوشة اللي حصلت الصبح.
قرايبي اللي كانوا عارفين باللي مي عملته كانوا واقفين باصين بذهول، مكنوش مستوعبين إزاي الكارثة دي اتقلبت لعز وفخامة بالشكل ده.
وعلى طرف الكوشة، شفت ماما واقفة.
كانت واقفة ساكتة، وشها أصفر وشاحب، عينيها ورمت من العياط والحرقة، ماسكة شنطتها بإيدين بتترعش. كانت محتارة بين فرحتها المكسورة بيا، وبين خزيها وعارها من بنتها الصغيرة اللي مرمية في الحبس في نفس اللحظة.
قربت منها وأنا ماسكة إيد رامي.
ماما بصت لي، وعينيها جت في الفستان، شهقت بصوت مكتوم وحطت إيدها على صدرها: "نور... ده... ده الفستان اللي رشدي كان بيقول عليه؟"
هزيت راسي بابتسامة هادية بس فيها حزم الدنيا كله: "أيوة يا ماما... ده الفستان اللي بابا الله يرحمه عملهولي من وراكم كلكم، عشان كان عارف إن بنته الكبيرة حقها مش هيضيع، وعشان كان حاسس إن في قلوب مريضة ممكن تستكتر عليا الفرحة."
ماما وطت راسها في الأرض ودموعها نزلت من غير صوت: "حقك عليا يا بنتي... حقك عليا، أنا اللي دلعتها وأنا اللي سكتت على عمايلها لحد ما اتعمت وبقت شايفة الدنيا كلها ملكها لوحدها. بس... بس يا نور، عشان خاطر ريحة أبوكي، مش هتعفي عنها؟ هتسيبيها تبات في الحجز مع المجرمين؟ دي أختك برضه..."
وقفت قصادها وبصيت في عينيها مباشرة، من غير غضب ولا زعيق، بس بمنتهى الهدوء اللي بيوجع أكتر من الصراخ: "بابا الله يرحمه يا ماما كان راجل حقاني، وعمره ما نصر الظالم عشان خاطر صلة القرابة. مي مكنتش بتعمل مقلب يا ماما، مي دلقت مادة كاوية على جسمي، وكانت عايزة تشوهني وتكسر قلبي في أكتر يوم بستناه في حياتي. لو سكت النهاردة، بكرة هتدمر حد تاني وتقولي معلش أختك. خلي القانون يربيها يا ماما، وخليها تقعد مع نفسها وتفهم إن الغل والحقد نهايتهم وحشة، وإن الدنيا مبتمشيش بالطبطبة ع الغلطان على حساب المظلوم."
ماما ماردتش، معرفتش ترد، نزلت راسها وسكتت، ومسكت طرف شالها ومسحت بيه دموع الندم اللي جه متأخر سنين.
مسكت إيد رامي، ودخلنا وسط المعازيم.
الرقص اشتغل، والفرحة ملت المكان بجد، كل صحابي وعيلتي اللي بيحبوني بجد اتلموا حوالينا، نيرة مسبتش إيدي وكانت بترقص وبتزغرط كأنها أختي اللي مخلفتهاش أمي، ورامي مسبش عيني ولا ثانية، كان كل شوية يميل عليا ويهمس لي: "قمر الكون كله مبيجيش نقطة في جمالك النهاردة."
طول الفرح، كنت حاسة براحة نفسية عمري ما حسيت بيها في حياتي.
الراحة اللي بتيجي بعد ما الإنسان يقرر أخيراً يقطع حبل الاستنزاف، ويبطل يلعب دور الضحية الطيبة اللي بتسامح على حساب كرامتها وصحتها. كنت حاسة إن بابا معايا في كل خطوة، شايفاني من فوق وفرحان بيا، فرحان إني طلعت البنت القوية اللي رباها، اللي بتعرف تاخد حقها بالأدب والقانون، ومن غير ما توسخ إيديها بالغل اللي عمى غيرها.
الفرح خلص على الساعة سبعة بالليل مع غروب الشمس والأنوار الهادية اللي نورت الجنينة، وبدأ المعازيم يمشوا واحد ورا التاني وهم بيباركوا وبيدعوا لنا من قلبهم.
ركبت العربية جنب رامي، وقبل ما نتحرك ونمشي، بصيت في المراية الجانبية على الفيلا وعلى المكان اللي بدأ يفضى.
تليفوني رن في الشنطة، طلعت التليفون، كانت رسالة من الأستاذة فريدة: "مساء الخير يا عروسة. تم عرض المتهمة مي على نيابة أكتوبر، والنيابة قررت حبسها أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة الإتلاف العمد للممتلكات الخاصة وإحداث إصابة عمدية، مع إحالتها للطب الشرعي لبيان الإصابات اللي في كتفك. القضية اتقفلت تماماً ومفيش فيها مخرج، والتقرير الهندسي بتاع الكاميرات أثبت الترصد والنية المسبقة. ألف مبروك فرحك، ونامي وانتي بالك مرتاح."
قفلت التليفون وحطيته في الشنطة، ومردتش على الرسالة.
أنا مكنتش شمتانة فيها، بس كنت مرتاحة. كنت حاسة إن كل واحد في الدنيا دي بياخد نصيبه من جنس عمله، واللي يزرع شوك وسواد في طريق غيره، لازم في الآخر يدوس عليه برجليه ويتجرح.
رامي بص لي وابتسم، ومسك إيدي وحطها على دركسيون العربية وقال لي: "جاهزة يا ست البنات نبدأ حياتنا الجديدة؟"
بصيت له وابتسمت من كل قلبي، رفعت راسي لفوق وأنا بتنفس الهوا النضيف، وقلت له بكل ثقة وراحة: "جاهزة يا رامي... جاهزة ومن غير ما أبص ورايا أبداً."