إهـانـة عـلنـي ج 1 حكـايات مني السيد حصري
الدنيا لفت بيا والشارع ضاق:
— «خادوه على فين؟! ابني فين يا عم إبراهيم؟!»
— «حطوه في حضانة تانية على قدهم، ومحدش راضي ينطق قايلين للمستأجرين دي تعليمات شريف بيه.»
اتصلت بشريف فوراً على رقمه الخاص، وكان الخط بيجمع.. وفجأة، چيهان هي اللي ردت:
— «هو إنتي تاني؟ مابتزهقيش؟»
— «ابني فين يا فاجرة؟! ياسين فين؟!»
— «الولد كويس وزي الفل، نقلناه لمكان بسيط وهادي جنب مقر الشركة عشان المصاريف العبيطة دي ملهاش لزمة.»
— «هاتيلي شريف على التليفون حالاً!»
— «عنده اجتماع ومفاضيلكوش.»
— «بقولك هاتيلي جوزي بدل ما أهدها على دماغكم!»
سكتت ثانيتين كدة بخبث، وقالتلي ببرود:
— «كل اللي بيتعمل ده بأوامر خطية منه هو، يا مريم هانم.. شوفي بقى إنتي هتعملي إيه.»
وقفلت السكة في وشي.
الليلة دي، مرجعتش بيتي.
قعدت في أوتيل، وطلبت عادل المحامي:
— «عادل.. افتح دفاتر شريف وچيهان، حساباتهم، السجلات التجارية، التحويلات، الشقق، السفريات، كل عقد اتكتب في غيابي.. مش عايزة فتفوتة تعدي من تحت إيدك.»
— «أروح لحد فين في الحفر يا فندم؟»
بصيت من إزاز الأوتيل على النيل اللي كان لونه أسود زي قلوبهم:
— «لحد آخر قرار.. اغرق فيهم لحد ما تجيبلي قرارهم.»
ست سنين.. ست سنين كاملة كنت فاكرة إني نقّيت الراجل الصح وبنيت معاه راجل يعتمد عليه.
أنا عرفت شريف لما كان لسه دكتور امتياز متمرمط، في مستشفى حكومي في أرياف المنوفية؛ كان بيساعد الغلابة ويكشف بلاش على اللي ميعندوش ويمشي على رجليه بين الكفور عشان يشوف عيان.
يوم ما صَارحته بحقيقة عيلتي وفلوسي، بص في عيني وقال:
— «أنا ممعيش ورث ولا دهب أقدملك بيه مهور، يا مريم.. بس عهدي ليكي، رقبتي سدادة وهشيلك في عيني لآخر يوم في عمري.»
صدقته.
واتجوزته.
ودخّلته شركتنا وسلّمته الإدارة.
أبويا فتحله الباب على البحري، وأنا سلّمته المفاتيح.
ولسنين، كان مسكّن عيشتنا وعامل فيها الملاك الطاهر المخلص.
لحد ما دخلت چيهان حياته.. والنعمة بدأت تعمي عينه.
قبل ما أنام بدقايق، موبايلي رن؛ كان عادل المحامي.
— «مريم هانم.. محتاج تمهليني تمانية وأربعين ساعة بالظبط.»
قبضت على التليفون لحد ما عروق إيدي ظهرت:
— «معاك التمانية وأربعين ساعة.. ومش عايزة غلطة.»
مكانتش لسه في حساباتي إن الـ 48 ساعة دول مش بس هيهدوا جواز ست سنين على دماغ شريف.. دول هيكشفوا إن اللي حصلي في سوق العبور مكنش إلا قشرة لبير خيانة وسرقة وساخة أكبر بكتير مما يتخيله أي عقل.
الجزء الثاني
التمانية وأربعين ساعة عدّوا عليا كأنهم تمانين سنة حَبْس انفرادي. النوم مكنش بيعرف طريقي، وكل ما أغمض عيني، أفتكر شريف وهو لابس البالطو الأبيض القديم في طوارئ المنوفية، وشه المجهد وضحكته اللي كانت بتهوّن عليا الدنيا.. إزاي نفس الوش ده يتحول لملامح تعبان لِدغته سم وخراب بيوت؟
الساعة دقت تمانية الصبح بالظبط، الباب بتاع جناح الأوتيل خبط. قمت من مكاني زي الملسوعة وفتحت، كان عادل المحامي واقف، عينيه حمرا من السهر، وفي إيده شنطة جلد سودة منفوخة أوراق ودوسيهات، ووراه داخل اتنين مهندسين أمن معلومات ومحاسب قانوني من بتوع الحسابات المعقدة اللي والدي كان بيعتمد عليهم في الصفقات التقيلة.
عادل دخل وقفل الباب وراه بالترباس، رزع الشنطة على التربيزة وقال بنبرة ناشفة تقطع الشك: — «مريم هانم.. اللي شريف بيه كان ناوي عليه مكنش مجرد كارت يتوقف ولا شوية سيطرة وخلاص.. الراجل كان بيقبرك بالحيا، وقريب أوي كان زمانك في الشارع حرفياً بمليمين ملهمش تالت.»
قعدت وحطيت إيدي على دماغي اللي كانت هتنفجر: — «فهّمني يا عادل، جيب من الآخر، وابني فين؟ لقيتوا ياسين؟»
— «ياسين الحمد لله رجالتنا محاوطين الحضانة اللي حطوه فيها من برة، متقلقيش، هو في أمان وتحت عينينا ومش هيلحقوا يلمسوا منه شعرة. الأهم بقى.. الكارثة اللي ورا الستار.»
عادل فتح الدوسيه وطلع منه شوية أوراق بنكية مختومة بشعار بنوك برا مصر: — «شريف من سبع شهور فاتوا، وبمساعدة چيهان دي، فتح شركات "أوف شور" وهمية باسمها وباسم ناس تانية من قرايبها في السواحل. كان بينقل أصول وسندات من أرباح مجموعة المنشاوي لحسابات مقفولة برة، الرقم اللي خرج لحد دلوقتي معدي المية وخمسين مليون جنيه كاش.»
شهقت والصدمة شلت لساني، لكن عادل كمّل وهو بيبصلي بحدة: — «ده الهيّن يا مدام.. المصيبة الأكبر هنا.»
رمى قدامي ورقة طبية مدموغة بختم نسر وممضية من دكاترة مخ وأعصاب كبار. مسكت الورقة وإيدي بترتعش.. كان تقرير طبي مفبرك، طالع بتاريخ الشهر اللي فات، بيثبت إني بعاني من هلاوس سمعية وبصرية وانفصام حاد في الشخصية ومبقتش مؤهلة عقلياً لإدارة أي ممتلكات أو حضانة أطفال!
— «الورقة دي كانت ناقصة بس إمضاء لجنة طبية حكومية كان شريف مرتب مع دكتور صاحبه يخلصها بعد بكرة، وبناءً عليها، كان هيرفع قضية حجر رسمي عليكي، ياخد وصاية كاملة على ياسين، وبصفته الوصي، يبيع ويشتري في كل مليم سابهولك أبوكي، ويرميكي في مصحة نفسية خاصة مقفولة من غير ما حد يعرفلك طريق!»
الدم جف في عروقي، حسيت ببرودة تلج نزلت على صدري. ده مش مجرد راجل طمع وخان، ده شيطان متربي على إيدي، كان بيحفرلي حفرة وناوي يدفنّي فيها وأنا صاحية عشان يروّق الجو ليه وللسنيورة بتاعته.
مسحت دمعة كانت هتنزل من عيني قبل ما تلمس خدي، ووقفت بضهري مفرود: — «والعقود والتوكيلات؟ موقفها إيه قانوناً؟»
المحاسب القانوني ابتسم ابتسامة صفرا ومد إيده بورقة تانية: — «هنا بقى تظهر حفرة الجهل اللي وقعوا فيها.. شريف بيه وجيهان هانم من غبائهم واستعجالهم، استعملوا توكيل عام قديم كان اتلغى بموجب وصية والدك الأخيرة المسجلة في الشهر العقاري. يعني كل قرش اتحول، وكل ورقة اتوقعت، وكل كارت اتلغى.. دي تهمة جنائية واضحة توديهم ورا الشمس؛ تزوير في أوراق رسمية، واستيلاء على أموال قاصر، وخيانة أمانة ترقّي لجناية أموال عامة.»
بصيت لعادل في عينيه وقلت بصوت هادي يرعب: — «النهاردة كان في اجتماع مجلس إدارة في مقر الشركة عشان يمرروا الميزانية الجديدة، صح؟»
عادل هز راسه: — «الساعة اتناشر الظهر بالظبط، وناويين يعلنوا تعيين چيهان في منصب العضو المنتدب.»
بصيت في الساعة.. كانت تسعة ونص.
— «حلو أوي.. جهزولي العربيات، وهاتوا قوة التنفيذ ورجالتي بتوع الحراسة القدامى. شريف وچيهان فاكرين إن اللعبة خلصت.. النهاردة هوريهم اللعب على أصوله بيبدأ إزاي، ومن على أرضي أنا.» يتبع