مراتي استهلكت كل طاقتها ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

 واحدة. سمعت خطواته السريعة ورايا، مسك الأوكرة وحاول يفتحها، فلما لقاها مقفولة خبط خبطتين: "مروة! بتتربسي الباب في وشي؟ بقى ده جزاتي؟ ده بدل ما تيجي تعتذري؟"

ماردتش. وقفت قدام مراية الدولاب وبصيت لنفسي تحت نور النجفة الأصفر الخافت.

بصيت لستة وأربعين سنة متجسدين في الوش اللي قدامي. الهالات مش بس من سهر الأيام الأخيرة؛ دي هالات تمنتاشر سنة جواز. تمنتاشر سنة وأنا شايلة القفة على دماغي وساكتة، بجري الصبح للشغل، وأطلع من الشغل على السوق، ومن السوق على المطبخ، وبعد الغدا والمواعين افتح اللابتوب والدفاتر عشان أراجع ميزانيات شركات وألم حسابات عيادات ومحلات عشان أجمّع الألفين والتلاتة زيادة اللي بيسدوا عجز البيت وأقساط الشقة.

إيديا اللي كانت بيضا وناعمة لما اتجوزته، بقى جلدها ناشف ومشقوق عند الصوابع من سلك المواعين ومية الكلور. كتافي مقوسة شوية من قعدة المكاتب، وشعري اللي كان واصل لنص ضهري بقى مربوط بتوكة بلاستيك مهلهلة ومطفي لونه.

طارق من برة كان لسه عمال يهلفط: "ماشي يا مروة، نامي واشبعي بنكدك! بكره لما تروقي هتعرفي إنك زودتيها على الفاضي!" سمعت خطواته رايحة للصالون، وصوت التلفزيون اتفتح بصوت عالي كالعادة، عشان يثبت لنفسه وللحيطان إنه مش فارق معاه وإنه هو اللي رايق ومبسوط.

قعدت على طرف السرير، بس منمتش.

أنا مكنتش حزينة بالشكل التقليدي؛ مكنش فيه حرقة قلب البدايات ولا وجع الخيانة. كان فيه شعور أغرب بكتير: فراغ تام، وبرود زي التلج. الإحساس اللي بيوصله الواحد لما يدوس على بنزين عربيته على آخره ويلاقي التنك شطّب خلاص ومفيش نقطة بنزين واحدة باقية، مفيش حتى طاقة يزعل.

"استهلكت كل طاقتها، ومبقاش فيها نَفَس يشيل خلاص."

الجملة رنت في وداني تاني. هو قالها عشان يضحّك عصام، عشان يحسس عصام ونورهان إنه سي السيد اللي مش عاجبه حاله وإنه يستاهل أحسن، بس الحقيقة المرة إن الجملة دي كانت أصدق حاجة طارق قالها في حياته كلها من غير ما يقصد.

أنا فعلاً طاقتي خلصت. ونَفَسي اتقطع.

بس اللي طارق مش فاهمه، إن الطاقة دي مخلصتش من الهوا، مخلصتش عشان عجزت طبيعي؛ طاقتي خلصت لإني كنت المولد الوحيد اللي منور البيت ده كله، وهو كان السلك العريان اللي بيسحب الكهرباء من غير ما يدّي فولت واحد!

فتحت الدولاب، طلعت شنطة كتف قديمة وشنطة ورق كبيرة، وفتحت الدرج التحتاني خالص اللي فيه أوراقنا.

طلعت الملف الأزرق بتاع الشقة.

الشقة التمليك دي، اللي واخدينها في العبور، واللي هو بيقعد وسط أصحابه ينفخ صدره ويقول: "أهو عملنا قرشين وجبنا ملك عشان الولاد وعشان نأمّن مستقبلنا"، فتحت الأوراق وبصيت للعقد، وبصيت لإيصالات البنك.

العقد الأساسي مكتوب مناصفة، بس الشيكات والتحويلات كلها كانت من حسابي أنا في بنك مصر؛ التحويلات اللي بتنزل من مرتبي الصافي، والشغل الإضافي. هو كان مرتبه بيروح في مصاريفه الشخصية، قسط عربيته اللي بيغيرها كل تلات سنين عشان منظره قدام زمايله، ومشاريع وهمية يدخل فيها مع أصحابه وتخسر، ويجي في الآخر يقولي: "إيدك معايا الشهر ده يا مروة، إحنا واحد ومفيش فرق بين الراجل ومراته!"

ولما كان ييجي وقت الهزار والجدعنة، يفك هو الشفرات دي كلها ويقول: "مراتي رخصتها انتهت وعايزة تتغير بموديل جديد."

طلعت تليفوني المحمول، وفتحت الواتساب، ودخلت على شات "نهى"، أختي الكبيرة، دكتورة صيدلانية وعاقلة، وأكتر حد كان بيحذرني زمان: "يا مروة انتي بتعوّدي طارق يشيل إيده من كل حاجة، بكرة هيركب ويدلدل رجليه."

كتبت لها: "نهى، انتي صاحية؟" مفيش دقيقة والرد جه: "صاحية يا مروة، فيكي إيه؟ مالك الساعة اتنين بالليل؟" كتبت: "أنا عايزة نمرة المحامي زميل جوزك، اللي شغال في قضايا التعويضات والأسرة."

التليفون رن علطول في إيدي، قفلته وكتبت لها بسرعة: "طارق برة، مش هعرف أرد. متقلقيش مفيش خناق ولا ضرب، أنا بس خلاص، الحبل اتقطع. ابعتيلي الرقم ونتكلم الصبح أول ما يخرج الشغل."

نهى قعدت تكتب وتمسح، وفي الآخر بعتت الرقم والاسم: "أستاذ رأفت المهدي، محامي شاطر جداً وأمين. بس فكري يا مروة، العيال؟ مريم في تانية كلية، وكريم في ثانوي، والناس هتاكل وشك."

بصيت للرسالة وابتسمت بسخرية. "الناس هتاكل وشك".. الكلمة اللي الستات بيشربوها مع مية الحنفية في بيوتنا. يستحملوا الإهانة، والتقليل، والاستنزاف، عشان الناس متاكلش وشوشهم. طب ووشوشنا اللي بتدبل؟ وصحتنا اللي بتروح؟ وعمرنا اللي بيضيع سدى في خدمة ناس شايفانا مكن استهلك وواجب يتخرّد؟

كتبت لها رد واحد: "العيال كبروا وفهموا، ومحدش هيدفع تمن عمري غيري. هكلمه الصبح."

رجعت رتبت الأوراق في الشنطة بهدوء، مش هعمل حركة هبلة زي بتاعة الأفلام وألم هدومي وأخرج في نص الليل أعيط في الشارع. لا، الخروج ده بتاعه هو، مش بتاعي. البيت ده اتدفع فيه دمي وشقايا، وكل حتة بلاط هنا اتغسلت بوجع ضهري.

الساعة كانت داخلة على تلاتة الفجر.

قومت اتوضيت، وفرشت سجادة الصلاة وصليت ركعتين. مكنتش بدعي عليه، كنت بدعي لنفسي.. بدعي ربنا يديني الصلابة اللي متهتزش، لإن اللي جاي مكنش هيكون سهل. طارق مش من النوع اللي يتقبل الهزيمة ببساطة، طارق من الرجالة اللي لما بتتكشف وتتحط قدام مرايتها بتتحول لكائن شرس عايز يكسر كل حاجة حواليه عشان ميعترفش إنه كان عايش عالة.

الساعة سبعة الصبح، المنبه رن.

قمت كأنه يوم عادي جداً. لبست بلوزتي الكحلي وجيبتي السودا، لَميت شعري بعناية، حطيت كحلة خفيفة في عيني عشان تداري التعب، ورشيت البرفان بتاعي اللي كنت ناسياه في الدرج بقالي شهور عشان "توفيراً ومفيش وقت للرفاهية دي".

فتحت باب الأوضة وخرجت.

طارق كان نايم على الكنبة في الصالة، والتلفزيون لسه شغال على قناة إخبارية بصوت واطي، والغطا واقع نصه على الأرض، وحواليه كبايات شاي فاضية وعلبة السجاير مرمية. لما سمع صوت كعبي على الباركيه، اتمطع وفتح عينه بنص قفلة، وشكله كان مبقع من قلة النوم على الكنبة.

بصلي باستغراب، أول مرة يشوفني جاهزة قبله ولابسة شيك كده على الصبح: "إيه ده؟ رايحة فين من بدري كده؟ والهدوم دي... فيه حاجة في الشغل؟"

اتمشيت لحد باب الشقة، مسكت مفاتيحي وشنطة إيدي اللي فيها الملف، ووقفت عند العتبة، التفتت ليه وقولت بنبرة باردة وواضحة زي سيف: "عايزة أريحك يا طارق. زي ما قولت للناس بالظبط إمبارح... بما إني استهلكت طاقتي ومبقاش فيا نَفَس، فمن حقك ترتاح ومن حقي أرتاح."

قعد بسرعة على الكنبة ومسح وشه بإيده: "إنتي لسه في أم الهبل ده؟ بقولك هزار! انتي واخدة كل كلمة على أعصابك ليه كده؟"

"لا، مش هبل. ومش زعلانة والله، إنت نبهتني لحاجة كنت غافلة عنها. أنا رايحة الشغل، ومن الشغل عندي ميعاد مهم هيعجبك أوي نتيجته."

"ميعاد إيه وزفت إيه؟" قام وقف وبدأ يزعق، وشه اتخطف: "مروة، اتعدلي معايا ومتلويش بوزك! إنتي رايحة فين؟"

فتحت الباب وخرجت للبير بتاع السلم، وبصيتله من فوق لتحت: "هتعرف كل حاجة في وقتها، وأرجو لما أرجع العصر ألاقي شنطتك ملمومة في الصالة، عشان الشقة دي من النهاردة مش هتساعنا إحنا الاتنين."

وقبل ما يستوعب الجملة، كنت نزلت خطوتين وسبت باب الأسانسير يتقفل على وشه وهو بيبرق وعينه طالعة لبرة كأنه لسه شايف عفريت.

 

تم نسخ الرابط