مراتي استهلكت كل طاقتها ج 1 حكـايات مني السيد حصري
« حكايات مني السيد حصري »
"مراتي استهلكت كل طاقتها، ومبقاش فيها نَفَس يشيل خلاص!" جوزي رمى الإفيه ده وسط اللقمة وضحك بملء فمه، وأنا ماردتش ولا دخلت في نقاش، عملت بهدوء شديد اللي حسيت إنه صح...
"بالظبط كده يا جماعة! الست خلاص شطّبت طاقة وجابت آخرها، وجه وقت نريّحها وندور على واحدة لسه بصحتها وشايلة حيلها!"
طارق رجع ضهره لورا على الكرسي في الصالة، وانفجر في ضحكة عالية واثقة في نفسها زيادة عن اللزوم.
بص للسفرة المفروشة من أولها لآخرها كأنه هو اللي طبخ كل ده؛ مكنش فيها موضع لكوباية مية: صينية بطاطس بالفراخ محمرة، طواجن، تلات أصناف سلطة، وسرافيس جلاش ومقبلات وقفت في المطبخ من ستة الصبح أجهّز فيها لوحدي.
قدامه كان قاعد عصام، زميل قديم ليه في الشغل. حاول يبتسم ويجامل، بس الضحكة طلعت مهزوزة ومحرجة. جنبه مراته الشابة، نورهان، كانت بتعدل طرحتها بتوتر واضح؛ القفشة سمجة وتقيلة على قلبها، بس رسمت ابتسامة باهتة عشان الليلة تعدي من غير نكد وخناق.
أنا، مروة، كنت قاعدة على طرف السفرة.
ولا نطقت بحرف. حطيت الشوكة بهدوء على حافة الطبق.
الإفيه البايخ اللي طارق عمال يعيد ويزيد فيه بقاله خمس دقايق محفوظ ومايضحكش: النكتة المكررة بتاعة الراجل اللي يفك مراته أم أربعين سنة ببنوتين كل واحدة عشرين.
بس مش النكتة نفسها هي اللي حرقت دمي، النظرة والغمزة اللي رماها لعصام وهو بيشاور براسه عليا أول ما قال إن طاقتي خلصت ومبقاش فيا نَفَس.
وأنا في سني ده، ستة وأربعين سنة، فعلاً كان باين عليا الإرهاق. عبايتي البيتي اتكرمشت من وقفة البوتاجاز وسهد الفرن، والهالات السودا تحت عيني فاضحة قلة نوم بقالها شهور.
تقفيل الميزانية السنوية في الشركة اللي شغالة فيها كان خانقني، وفوقها شغل الحسابات الحر اللي باخده بالليل عشان ألم شوية قرشين نسند بيهم أقساط الشقة اللي مابتخلصش، ومفيش قسط فيهم بيدفع نفسه.
"يا سيدي خلاص بقى حصل خير،" نورهان اتكلمت وهي بتطبطب على كتف جوزها عشان تفك الجو المشحون، "عصام، شكلنا لازم نقوم، ورانا صحيان بدري وبابا وماما مستنيينا بكرة على الغدا."
"بدري إيه بس يا جماعة!" طارق اعترض وهو بيمد إيده يقطع حتة بسبوسة، "اقعدوا شوية ده السهرة لسه في أولها! مروة هتقوم تحط البراد على النار وتعملنا الشاي التمام، صح يا أم العيال؟"
قمت من غير ولا كلمة.
لميت أطباق السلطة الفاضية، وسرفيس المحشي، ودخلت بيهم على المطبخ. فتحت الحنفية على آخرها، وصوت اندفاع المية في الحوض كسر الصمت التقيل اللي ران فجأة في الصالة.
"لا بجد الوقت سرقنا ولازم نمشي،" صوت عصام جه وهو بيزق كرسيه ويقف بسرعة.
على باب المطبخ قال لضهري: "تسلم إيدك يا أم هنا، الأكل كان تحفة، وصينية البطاطس تسلم إيديكي عليها."
الضيوف ملبسوش جزمهم في تلات دقايق. كان واضح إنهم بيهربوا من الحرج، ومحدش فيهم قادر يحط عينه في عيني وهو لابس وواقف في الطرقة.
طارق فضل يحوم حواليهم، يتكلم في أي كلام عن زحمة الشارع وماتشات الكورة، وسلم على عصام سلام طويل كأنه مسافر الخليج ومش هيشوفه تاني، مش راكب عربيته وراجع بيته.
أول ما باب الشقة اتقفل وصوت الأسانسير نزل، رجعت وقفت قدام الحوض.
مسكت السلكة وبدأت أدعك في الأطباق بهدوء، حركاتي كانت باردة، رتيبة، كأني مكنة شغالة من غير روح.
"إيه العرض الرخيص اللي عملتيه جوه ده؟ ضيعتي الليلة كلها بنكدك!"
طارق دخل ورايا المطبخ، وشه محقون وعروقه نافرة، والصوت اللي كان بيهزر بيه اتقلب هجوم صريح.
ملفتش وشي ليه، فضلت فاتحة الحنفية وبغسل الصابون من إيدي.
"أنا بكلمك على فكرة! إنتي مش سامعة؟" قرب خطوة كمان وهو بينفخ، "إيه اللي عملتيه ده قدام عصام ومراته؟"
وقف في نص المطبخ، حط إيديه في وسطه وقال بغل: "قاعدة مبوزة وراسمة دور الضحية كأني شتمتك ولا مسحت بكرامتك الأرض قدامهم!"
قفلت الحنفية بهدوء شديد، تكّة الخلاط عملت صوت طقطقة واطي في سكون المطبخ، ومسكت الفوطة الصغيرة ونشّفت إيديا صباع صباع، كأني بعمل طقس مقدس مفيش وراه أي استعجال.
طارق كان واقف نافخ صدره، وشه محتقن باللون الأحمر اللي بيطلعله كل ما يحس إنه اتهز من جواه، عروق رقبته ناطة، وحاطط إيديه الاتنين في وسطه، مستني مني العياط المعتاد.. مستني الصوت المخنوق اللي يترجاه ويقوله: "ليه يا طارق؟ هو أنا قصرت معاك في إيه؟" عشان ياخد الجملة دي ويبني عليها قصيدة لوم كاملة يثبت بيها إني نكدية وعمري ما هفهم "الهزار"، وإن دمي تقيل، وإني فضحتنا قدام عصام ومراته ببوزي اللي شبرين.
بس أنا مالتفتش حتى بسرعة، أخدت ثواني أعلّق الفوطة في مسمارها جنب الرخامة، ولفيت ووشي كان أهدى من مية راكدة في ترعة مهجورة. نظرة فاضية تماماً، مفيهاش لا دموع ولا عتاب ولا غضب.
"إيه؟ بتبصيلي كده ليه؟ ما تنطقي!" صوته علي شوية، بس كان فيه رعشة تردد مش لاقية ممسك تمسكني منه. "هو إنتي صدقتي الهزار بجد؟ بقى بذمتك تقومي تشيلي الأطباق والناس قاعدة لسه بتاكل؟ مش دي قلة ذوق وقلة واجب؟ عصام نازل وشه في الأرض من كسفتك ليه ولحرمته! الراجل كان قايم لسه شبعان ومستني يشرب الشاي والتحلية، وإنتي كأنك بتطرديهم عين عيني!"
سيبته يتكلم، سيبته يفرغ كل العصبية المفتعلة اللي بيحاول يداري بيها خيبته وكسفته قدام نفسه. بصيت لعينيه مباشرة، للمرة الأولى من سنين مش حاسة بخوف، ولا حاسة بالذنب اللي كان دايماً بيزرعه جوايا: "طارق، إنت خلصت؟"
الكلمة نزلت عليه زي الدش الساقع. برّق وقال: "يعني إيه خلصت؟ إنتي بتستعبطي؟"
"يعني لو خلصت كلام، وطي صوتك عشان الجيران، والوقت اتأخر." رديت بصوت واطي جداً، بس كل حرف فيه كان طالع زي حجر تقيل. خطيت من جنبه عشان أخرج من المطبخ، مالمستش كتفه حتى.
مسك دراعي، مش بقوة تكسر، بس مسكة فيها غل اللي عايز يفرض سيطرته: "ماتدينيش ضهرك وتمشي وأنا بكلمك! أنا بتكلم عن بيتي وضيوفي!"
بصيت لإيده اللي ماسكة دراعي بهدوء شديد، ورجعت بصيت لعينيه وقولت بجمود: "شيل إيدك."
نبرتي مكنتش متعودة عليها ودانه؛ طول عمري ست حنينة، بطاطي عشان المركب تمشي، وبقول "معلش" ألف مرة في اليوم حتى لو الغلط راكبه من ساسه لراسه. شال إيده فجأة كأنه اتلسع، ورجع خطوة لورا وهو بيتلعثم: "إنتي... إنتي اتجننتي ولا إيه الحكاية بالظبط؟"
"لا يا طارق، أنا عقلت. عقلت أوي كمان."
سبته ودخلت أوضة النوم، وقفلت الباب ورايا من غير ما ارزعه، بس لفيته بالمفتاح تكة