حماتي طلبت العشا علي حسابي ج 1 حكـايات مني السيد
طلعت تليفوني بهدوء وطلبت رقمين ورا بعض؛ الأول كان لمحامي العيلة وقولتله جملة واحدة: «إلغي التوكيل العام فوراً اللي باسم حسام واقفل كل الحسابات المشتركة، واعملي محضر سرقة أوراق رسمية».
والرقم التاني كان لوالدي، حطيته على الاسبيكر وحكيتله اللي بيحصل قدامهم بالحرف. حسام وشه بهت وركبه خبطت في بعضها؛ لأن والدي هو اللي مشغله في شركته وهو صاحب الفضل في كل قرش بيقبضه.
بصيت لحماتي اللي كانت بتفرك إيديها بتوتر، ورميت المفاتيح في وش حسام: — مبروك عليك الشقة اللي خلصت أقساطها يا حسام، بس من اللحظة دي.. شغلك مع والدي بح، وبيتي متدخلوش تاني، وفلوسي اللي طلعت من ورا ضهري هتترد بالمليم يا إما وصل الأمانة اللي في جيبك هيروح للنيابة وتتحبس إنت وأمك سوا.. وإبقى خلي "العمارة" تنفعكوا!
خرجت وقفلت الباب ورايا على صوت صريخ حماتي وهي بتلطم على حسام اللي انهار وقعد على الأرض بعد ما خسر مراته، وشغله، وسمعته في ليلة واحدة.
وقفت في نص الصالة والدم نشف في عروقي، ببص لحسام ومستنية أي مبرر عاقل يخرج من بقه، بس نظرته المكسورة كانت كفيلة تأكدلي إن كل ورقة قدامي على السفرة دي حقيقية.
— بتسعّروا بيت أبويا وأمي وهما لسه في الدنيا؟! بتاخد صورة بطاقتي عشان إيه يا حسام؟ عشان تمضي بدالي؟
حسام قرب خطوة وإيده بتترعش، حاول يمسك إيدي بس رجعت لورا ونفضته: — بطة.. اسمعيني والله العظيم ما زي ما أنتي فاكرة! أمي اتزنقت.. دخلت جمعيات بأرقام خيالية وكتبت شيكات ووصولات أمانة عشان تخلّص أقساط الشقة من غير ما إخواتي يشيلوا مليم.. كانت هتتحبس الأسبوع الجاي والناس كانوا هيحجزوا على دهبها، فكنت بفك الرهن شوية بشوية من غير ما أعمل شوشرة.
حماتي قاطعته بمنتهى البرود، نفضت جلابيتها وقامت وقفت قدامي وهي بتبصلي من فوق لتحت: — وطي صوتك يا بت أنتي، إحنا في شقتي ومحدش يعلي حسه عليا! البيت ده حسام شايل طوبة أمي ومسدّد ديوني بسببه، وأنتي وأبوكي خيركم مغرقكم، هيجرى إيه يعني لما يشيل قرشين من ورثك المستقبلي عشان يسند جوزه وأمه؟ أنتي غريبة عننا ومعندكيش ولد يشيل اسم العيلة، لو جرالك حاجة ولا اطلقتوا كل ده هيروح للغريب! إحنا بنعمل حساب بكرة وبنضمن حق ابننا اللي حيلته كلها ضاعت عليكي وعلى عيشتك!
سلفتي ليلى مطت شفتها وكملت وهي بتهز رجلها: — وبعدين يا فاطمة أنتي زعلانة ليه؟ هو أنتي كنتي هتحسي بالمليون ولا الاتنين دول يعني؟ ما البيت كبير وعمارة المنصورة دي لو اتقسمت هتطلعلك بالشيء الفلاني، حسام بس كان بيعمل دراسة جدوى عشان نشوف هنقفل الديون إزاي.. بلاش تفتعلي مشاكل وتعملي فيها دراما وتخربي على نفسك وعلى بيتك.
الكلام نزل عليا زي مية ساقعة فوق نافوخي، وبدأت أجمع الخيوط بسرعة مرعبة: التوكيل العام اللي حسام ألح عليا أعملهوله السنة اللي فاتت عشان يسلك بيه أوراق الضرائب العقارية لبيت المنصورة لما بابا تعب، الكشوفات اللي اختفت من الدرج، الدهب الفالصو اللي حماتي لابساه بعد ما رهنت الأصلي، والتحويلات اللي طالعة شهرياً تحت بند "استثمار وتجارة". حسام مكانش بس بيسدد ديون أمه.. حسام كان بيستعمل توكيلي كضامن مالي لشركات تمويل وقروض شخصية باسمي وبضمان حصتي عشان يسد عجز أمه، وليلى قاعدة تفرز التركة عشان تضمن إن جوزها له مناب من الكعكة لما البيت يتباع.
ضحكت ضحكة وجع، صوتها رن في الصالة وخلّى الكل يبصلي بقلق. — دراسة جدوى؟ بتعملوا دراسة جدوى على أملاك والدي اللي جابها بعرقه وشقاه عشان تسددوا بيها طمعكم؟ ده أنا كنت بقول عليكي أمي، وبقول حسام سندي اللي أسلّمه روحي وأنا مغمضة!
حسام صوته اتخنق وقال: — بطة والله مكنتش هضرّك، أنا كنت هدفع الأقساط من مالي الخاص وارجع التوكيل ومحدش كان هيحس بحاجة، بس الديانة زنقوا أمي وخلاص كانوا هياخدوا حكم محكمة..
— من مالك الخاص؟! هو إنت مش شغال في شركة المقاولات بتاعة أبويا أصلاً؟ هو إنت في قرش بيدخل جيبك إلا وفضل أبويا فيه بعد ربنا؟
فتحت شنطتي وطلعت الموبايل بهدوء تام، البرود اللي نزل عليا فجأة رعب حسام أكتر من الزعيق. أول ما شاف الشاشة نورت، مد إيده بلهفة: — أنتي هتعملي إيه؟ متكبريش الموضوع يا فاطمة، نقعد في بيتنا ونتفاهم بالهدوء! — التفاهم خلص يا ابن الحاجة آمال من اللحظة اللي دخلت فيها عمارة المنصورة في حساباتك القذرة.
طلبت رقم المحامي الخاص بالعيلة وفتحت الاسبيكر: — ألو، أستاذ رفيق.. صباح الخير. عايزاك تجهزلي فوراً إنذار رسمي بإلغاء التوكيل العام رقم ٤٢٥ اللي باسم حسام، وتسحبلي برنت من الشهر العقاري بكل معاملة تمت بيه خلال الست شهور اللي فاتوا. واقفل الحساب البنكي المشترك، واعملي مذكرة للنيابة بسرقة مستندات رسمية وأصول عقود ملكية من بيتي.
حسام لونه اتخطف وعرق بارد نزل على وشه: — أنتي بتهزري صح؟ ده فيها حبس ليا وليكي لو البنك اتحرك! — فيها حبس ليك إنت لوحدك يا حسام، لأن كل ورقة طلعت من ورايا، والتوكيل كان منصوص فيه على إدارة بس مش رهن ولا بيع.
حماتي وقفت مصدومة ولسانها ارتبك: — أنتي هتفضحي ابننا عشان حتة ورقة؟ بتبيعي جوزك اللي صانك تسع سنين عشان قرشين وسخ دنيا؟!
بصيتلها بقرف، ومن غير ما أرد عليها، طلبت النمرة التانية.. نمرة والدي. رن جرسين والتالت كان بابا بيرد بصوته الوقور: — أيوة يا بطة يا بنتي، خير؟ لسه مخلصة عزومة حماتك ولا إيه؟
حسام ركبه خبطت في بعضها ورفع إيده يتوسل ليا أقفل، بس أنا قربت الموبايل من بقي وحكيت كل حاجة باختصار شديد: التوكيل، تقييم العمارة، إيصالات الصاغة اللي في جيب البدلة، والكرتونة اللي متسمية باسمي في صالة أمه. الصمت اللي جه من طرف بابا في المكالمة كان مرعب أكتر من أي زعيق، وفجأة قال بصوت قاطع رج الشقة كلها: — حسام متدخلوش البيت يا فاطمة، وسيبك من كل الهري ده.. دلوقتي حالا المحامي نازل بالبوليس على شقة أمه يحرز الورق والدهب اللي اتعمل بيه اللعبة دي، والصبح مش عايز أشوف وشه في الشركة.
قفلت المكالمة ورميت مفاتيح العربية في الأرض تحت رجلين حسام. حماتي قعدت على الكنبة بتلطم على وشها بعد ما حست إن المركب بتغرق بجد، وليلى سلفتي شالت شنطتها وبدأت تنسحب ناحية الباب من سكات كإنها مكنتش شريكة في القعدة.
وقفت قدام الباب الخارجي وبصيت لحسام وهو قاعد على ركبه بيحاول يجمع أوراق عمارة المنصورة اللي وقعت وتبعثرت: — اللي بدأ بالكدب والرخص يا حسام.. هينتهي في المحاكم. والحساب بيننا لسه مبدأش.
نزلت على السلم وسط صريخ أمه اللي مالي العمارة، وخطواتي ثابتة، بس جوايا سؤال واحد كان بياكل في عقلي: هل حسام اتورط فعلاً عشان أمه، ولا كان بيستدرجني لتنازل أكبر لسه مكنتش كشفته في باقي الكراتين؟