لقاء على شاطئ الموت ادهم ونورهان ج 2 حكـايات مني السيد حصري
رجالة طارق اللي جوة الكشك اتشتتوا في لحظة، وطارق طار من باب الكشك واترمى على الرملة وهو بيصرخ من الصدمة، بيتعفر في الرملة وهدومه متبهدلة ومرعوب.
سواقين العربيات الجيب اتفاجئوا واتربكوا، واتنين منهم دوروا العربيات وهربوا في اتجاه الملاحات بعد ما شافوا الجحيم اللي قام. بس عربية واحدة فضلت واقفة، ونزل منها راجل عجوز بشعر أبيض وماسك رشاش قصير.. كان عزمي مهران.
عزمي لمحهم فوق التل الصخري، ورفع سلاحه: "أدهم! مش هتخرج من هنا حي!"
الرصاص بدأ يضرب في الصخرة، والشظايا بتطاير حواليهم.
نورهان بصت بسرعة حواليها ولقت حبل مركب غليظ مربوط في ونش صيد يدوي قديم على التل، مشدود بكتلة صخرية وأسمنتية ضخمة كانت بتثبت المراكب وقت النوة، والحبل معدي بالظبط فوق سقف عربية عزمي.
"أدهم! اضرب على مسمار الترس بتاع الونش اللي وراك!" صرخت نورهان بصوت جهوري.
أدهم لف جسمه بسرعة، وصوب بالمسدس على مسمار الأمان المصدي وضغط الزناد. الرصاصة ضربت المسمار، القفل طار، والكتلة الأسمنتية فلتت ونزلت تتدحرج بسرعة جنونية ورزعت فوق سقف كابينة العربية وطبقتها، والسلاح طار من إيد عزمي اللي وقع على الأرض ومبقاش قادر يتحرك من الخضة والإصابة.
سكون تام حل على المكان.
مفيش غير صوت النار اللي بتهدا، وأنين طارق وعزمي مهران المستسلمين على الرملة، وصوت تلاطم الموج الهادي.
أدهم وقف ببطء، ونورهان كانت واقفة جنبه بصلابة، رافعة راسها وبتبص للاتنين اللي مرميين في التراب.
طارق كان بيزحف على ركبه وبيبص لأدهم بذل: "أدهم.. سامحني.. عزمي هو اللي خطط لكل حاجة.."
أدهم بصله بنظرة برود أشد من رصاص المسدس: "الدم اللي يغدر مبقاش دمي يا طارق. ومن اللحظة دي حسابك مع القانون والنيابة، والمستندات اللي معايا هتخلص الحكاية للأبد."
في اللحظة دي، بان في الأفق نور الفجر الهادي، ومعاه صوت سراين لنشات خفر السواحل وعربيات الشرطة اللي كانت بتملأ طريق المكس بعد ما الانفجار رن في المنطقة.
أدهم التفت وبص لنورهان.
كانت واقفة، وشها متعفر بالهباب والبارود، وعيونها العسلية بتلمع بنور الصباح البكر بعزة وشموخ. كانت أرجل وأشجع إنسانة شافها في حياته، بس من غير ما يتكلم كلمة زيادة، كانت نظرة عينه مليانة احترام لا حدود له وامتنان حقيقي لوجودها.
ابتسم أدهم وقال بنبرة هادية فيها كل التقدير: "خلصت يا بنت الريس.. والفضل ليكي بعد ربنا."
نورهان ابتسمت بنص شفة وردت بجدعنتها المعهودة: "حمد الله على سلامتك يا ابن الكردي.. الورشة وبابها وكل شبر اتدمر حسابه محفوظ، ومصر كلها مفيهاش باب زي اللي طار ده."
أدهم ضحك من قلبه، وقال بجدية وامتنان: "حقك محفوظ وفوقه كل خير، والجدعنة دي دين في رقبتي ليوم الدين."
بعد مرور سنة..
شمس العصرية كانت دافية وجميلة على مينا المكس في إسكندرية.
المكان اتغير تماماً؛ الورشة القديمة المتهالكة اتبنت مكانها أكبر صرح بحري لصيانة وتصنيع مراكب الصيد في المنطقة، مجهزة بأحدث المعدات، ومكتوب عليها بيافطة نحاس ضخمة بتلمع:
"مجموعة الكردي للصناعات البحرية – إدارة المهندسة نورهان حسن"
جوة المكتب الرئيسي اللي بيطل على البحر، كانت نورهان قاعدة ورا مكتب خشب أرو عريض، لابسة عباية إسكندرانية كحلي شيك جداً وطرحة حرير متناسقة، بتراجع دفاتر الحسابات وعقود الصيانة الجديدة، وهيبتها مالية المكان والكل بيعمل لكلمتها ألف حساب.
الباب خبط، ودخل أدهم، لابس بدلة رمادية كلاسيك وبابتسامة هادية كلها وقار. وقف قدام المكتب، حط إيده في جيبه وبصلها بنظرة مليانة فخر واعتزاز:
"يا ساتر على الاندماج.. حتى والناس كلها مستنية برة عشان كتب الكتاب، برضه بتراجعي فواتير المواتير؟"
نورهان رفعت راسها، قفلت الدفتر وابتسمت بكبرياء جميل: "الشغل شغل يا باشا.. والريس حسن الله يرحمه علمني إن القرش الحلال ميتسابش فيه غلطة."
أدهم قعد على الكرسي قدامها، وبص في عينيها وقال بصدق ونبرة واضحة:
"أنا شوفت في الدنيا دي كتير يا نورهان، وعاشرت أشكال وألوان.. بس من الليلة اللي شيلتيني فيها من قلب النار، عرفت إن مفيش ست على وش الأرض تستاهل تشيل اسمي وتكون شريكة حياتي غيرك. أنتي مش بس أنقذتي روحي.. أنتي رديتيلي عقلي وفهمتيني يعني إيه أصل وجدعنة."
نورهان بصت لملامحه الصادقة، وحست براحة وأمان كانت بتتمناه طول عمرها. شبكت إيديها على المكتب وقالت بلهجتها البسيطة وابتسامة راضية:
"عيلتك كان فيها مليارات بس كانت ناقصة أمان.. وأنا أماني كان البحر، ودلوقتي كلمتك ورجولتك هما الأمان. بس خليك فاكر شرطي.. الكلمة في الورشة دي كلمتي، وشغل البحر ملوش كبير غير اللي يفهمه."
أدهم ضحك برجولة وقال باحترام: "وأنا شاري وراضي.. المأذون والشهود مستنيين في القاعة فوق، والريس حسن روحه مرتاحة النهارده."
قامت نورهان وقفت بكل ثقة وهيبة، ومشيت جنبه خطوة بخطوة، راسهم مرفوعة للسما، وسط فرحة الصيادين وأهل المكس اللي اتجمعوا يباركوا لجواز أدهم الكردي من بنت البحر الجدعة.