لقاء على شاطئ الموت ادهم ونورهان ج 2 حكـايات مني السيد حصري
الفصل الثالث والأخير: دقة قلب فوق صخر المكس
خطوط الليزر الخضرا كانت بتتحرك على ألواح الخشب المتهالكة كأنها عقارب سامة بتدور على صيدها في العتمة. صوت مواتير العربيات الدفع الرباعي كان بيعصر رملة الملاحات ورا تلال الدخيلة، وصوت كسر الحصى تحت الكاوتش التقيل بيقرب بثبات وغل، كأن الموت واخد ميعاد ومش ناوي يخلفه.
نورهان خطفت التليفون من على الطبلية الخشب، وبحركة واحدة سريعة كسرته نصين تحت كعب جزمتها الجلد التقيلة، وفتحت الشباك السلك ورمت النصين في مية البحر الغريقة. بصت لأدهم، وعينيها اللي واخدة لمعة الصوان مكنش فيها ذرة تردد: "التليفون غرق، بس هما خلاص شموا ريحة المكان. قدامنا دقيقتين بالظبط قبل ما الحتة دي تتقفل علينا زي المصيدة."
أدهم كان بيحاول يصلب طوله، ساند بضهره على العرق الخشب اللي ماسك سقف الكشك. جنبه كان لسه بينزف دم خفيف، بس وجع الخيانة ووجع الرصاص مبقاش له وجود؛ الأدرينالين اللي بيجري في دمه كان كافي يهد جبل، ونظرته لنورهان وهي واقفة ماسكة مفتاح العجل الحديد بوقفة فدائي خلت روحه تتجدد من أول وجديد: "نورهان.. المرة دي مش طارق لوحده. الصوت اللي طلع في اللاسلكي ده صوت 'عزمي مهران'.. شريك والدي القديم، وواحد من كبار مافيا التخليص الجمركي في البلد. الراجل ده مش هيبعت بلطجية عاديين، دول فرقة تصفية خاصة، ومش هيرحموا حد."
ابتسمت نورهان بسخرية حامية، وربطت شعرها الأسود بإيشارب قطن، ولمت كل خصلة كانت طايرة: "عزمي مهران، ولا مهران نفسه.. هنا أرض الله والبحر يا باشا. الكشك ده مبني فوق مخبأ قديم من أيام الإنجليز، كانوا بيخزنوا فيه براميل كربيد وزيوت لمدافع السواحل. هما فاكريننا محشورين جوة.. بس إحنا اللي هنحبسهم برة!"
جرت نورهان على زاوية الكشك، شالت شوية شكاير خيش قديمة، فبان وراها تلات براميل صاج مصدية، محطوط عليهم علامة الجمجمة وخطر الاشتعال. بصت لأدهم وقالت بسرعة: "براميل كربيد وبواقي بنزين طيارات من اللي كنا بننضف بيه مواتير اللنشات السريعة. لو لمسوا شرارة، الصخر ده كله هيطير للسما!"
أدهم فهم خطتها في لمح البصر: "أنتي عايزة تستدرجيهم لهنا؟"
"هما جايين على الكشك.. وإحنا مش هنكون فيه!" نورهان شمرت دراعاتها، وفتحت محبس برميل منهم خلت السائل التقيل يسيل على الأرضية الخشب ويسرب من بين الشقوق على الرملة برة: "في ممر صخري تحت السقالة واطي جداً، المية فيه بتوصل للركبة، بيطلعنا ورا التل على ضهر العربيات بتاعتهم. هناخد مسار الالتفاف.. وأول ما يدخلوا يفتشوا، الشمروخ اللي معايا هيعمل الواجب."
أدهم جهز المسدس اللي معاه، فتش خزنته بسرعة؛ كان فاضل فيها خمس طلقات بس: "أنا هطلع وراكي.. بس الشمروخ ده بتاعي أنا، مش هسيبك تخاطري بمسافة الصفر دي."
نورهان بصتله، وقبل ما تنطق، ضربة رصاصة قناصة اخترقت شباك الكشك وفجرت لمبة الجاز اللي فوق راسهم. القزاز طار شظايا، والصوت رن زي الرعد في المكان.
"انزلي في الممر!" صرخ أدهم وهو بيشاورلها، ونزلوا الاتنين بسرعة في الفتحة الأرضية اللي بتنزل للمية الساقعة تحت السقالة، في نفس الثانية اللي نزل فيها وابل من الرصاص الآلي الثقيل، شق حيطان الكشك الصاج والخشب وحولها لغربال.
المية كانت ساقعة تلج، بتلسع في جروح أدهم زي مية النار، بس كان عاضض على أسنانه وبيتحرك ورا نورهان خطوة بخطوة. نورهان كانت بتتحرك بخفة وسط الشقوق الصخرية اللي ميعرفش سككها غير اللي حفرها بإيديه، لحد ما طلعوا من بين الصخور ورا ضهر التل الرملي.
كانوا مستخبيين ورا صخرة ضخمة بتطل على مدخل الكشك وعلى العربيات الجيب اللي كانت واقفة وسواقينها مستنيين برة.
أربعة ملثمين مع طارق دخلوا الكشك، أسلحتهم موجهة للضلمة، وريحة الكربيد والبنزين كانت مالية الجو بس هما من غبائهم افتكروها ريحة عادية من ورش الصيد.
نورهان طلعت مسدس الشماريخ التاني من كيس بلاستيك مربوط في حزامها، ومدته لأدهم من غير ما تلمسه، وشاورتله بعينيها على الهدف: "البرميل مخروم عند العتبة.. وريني نيشانك يا ابن الكردي."
أدهم بصلها بإعجاب وهيبة، ثبت كوعه على الصخرة وصوب بكل تركيزه على السائل المشبع بالجاز.
"مع السلامة يا طارق.. البحر بيسلم عليك."
ضغط على الزناد.
شعلة فسفورية حمراء انطلقت زي البرق، شقت ضلمة الفجرية، ورشقت في قلب برميل الكربيد.
الانفجار كان مهول!
كرة نار ضخمة انفجرت في السما، طيرت سقف الكشك الصاج، ولهب أحمر وأزرق ابتلع المكان كله في ثانية واحدة. الصخور اتهزت تحت رجليهم، وموج البحر ارتفع ورزع في حواجز الأمواج من شدة الضغط.