خيانة وهمية.. وفخ لا يرحم ج 2 حكـايات مني السيد حصري
ريحة المعقمات الطبية في ممر الرعاية المركزة كانت بتخنق الأنفاس، لكن الهوا في اللحظة دي كان أنقى بكتير من سموم الشك اللي كانت عامية عيني لشهور.
أحمد فتح عينيه ببطء شديد، رموشه كانت بتترعش من أثر البنج، وحواجبه اتعقدت أول ما حس بوجع ضلوعه المكسورة. حاول يلف وشه ناحيتي، لكن عينه وقعت فجأة على الراجل اللي قاعد على الكرسي الخشبي الملاصق لسريره، ماسك إيده السليمة بكلتا إيديه.
كان والدي.. حامد السيوفي.
أحمد اتخض، نفسه اتكتم وجسمه اتشنج، حاول يسحب إيده بغريزة الخوف والدفاع عن النفس، وافتكر للحظة إن الكابوس لسه مكمل وإن نيرة نفذت تهديدها ولبسته القضية قدام الراجل الكبير. طلع صوته ضعيف، باهت، مليان بحة العجز حامد بيه.. والله العظيم ما خنتك.. والله العظيم الورق ده مزور.. أنا مستحيل أسرق مليم من مالك..
والدي ما اتكلمش. طبطب على إيد أحمد براحة إيديه الاتنين، وقام وقف على رجليه ببطء، وفي مشهد عمري ما تخيلت في أجرأ أحلامي إني أشوفه في الدنيا، انحنى الراجل الصارم، صاحب الإمبراطورية اللي بيهابه مئات الموظفين ورجال الأعمال، وطبع بوسة طويلة على جبين أحمد اللي مليان كدمات وخدوش.
نزلت دمعة سخنة من عين أبويا ونزلت على خد أحمد، وقال بصوت متقطع، خاشع، ومبحوح سامحني يا ابني.. العيب مش فيك، العيب في النظر اللي عميته الفلوس والكبرياء الفارغ.. أنا اللي خذلتك مرتين؛ مرة لما اتكبرت عليك عشان ما عندكش أهل وسند، ومرة لما صدقت إن المظاهر هي الأمانة وسبتك لقمة سهلة في بؤ تعبانة كنت مأمنها على بيتي وشرفي. حقك عليا يا أحمد.. حقك على راسي من فوق.
أحمد فتح بؤه بذهول، دموعه خانته ونزلت تغسل الوجع اللي في ملامحه. بص لي وأنا واقفة ورا بابا ببتسم من وسط دموعي، فهزيت له راسي بأمان وطمأنينة كل حاجة انتهت يا أحمد، والحق رجع لأصحابه.
في اليومين اللي قضاهم أحمد في المستشفى عشان يسترد عافيته، ما كانش لوحده دقيقة واحدة. والدي نقل كل اجتماعاته لمكتب صغير حجزه في المستشفى، وكان بيدخل لأحمد كل ساعتين يطمن على أكله وعلاجه، ويتكلم معاه في تفاصيل الشغل مش كصاحب عمل بيأمر، لكن كأب بياخد رأي راجل بيثق في عقله وأمانته.
في الوقت ده، كانت النيابة العامة بتباشر التحقيقات مع نيرة والشبكة اللي كانت شغالة معاها. الفلاشة اللي أحمد احتفظ بيها في درج العربية طلعت كنز معلومات للنيابة؛ مش بس عقود مزورة وتوريدات وهمية، دي كانت كاشفة تلاعب كامل في دفاتر الحسابات، وتهريب أرباح بصفقات سرية لحسابات أوفشور برة البلد، وتحويلات مباشرة لحساب شخصي باسمها وباسم شريكها في دبي، بالإضافة لتسجيلات البلطجية اللي اعترفوا عليها أول ما اتزنقوا في التحريات إنها هي اللي استأجرتهم عشان يكسروا عضم أحمد على طريق السخنة بعد ما رفض يسلمهم الختم الرسمي للشركة.
القضية اتقفلت بتوجيه تهم الاختلاس والتزوير وتكوين تشكيل عصابي والاعتداء بالضرب وإحداث عاهة، والكل كان بيتكلم في الجرايد ومواقع الأخبار عن سقوط الذراع الأيمن للملياردير حامد السيوفي.
بعد أسبوعين كاملين من الراحة في بيتنا، بدأ أحمد يقف على رجليه من تاني. الجبس لسه على دراعه، وكدمات وشه بدأت تبهت وتسيب مكانها علامات خفيفة، لكن نظرة الانكسار اللي كانت مرافقة عينه اختفت تماماً وحل مكانها هدوء وكرامة صافية.
يوم الخميس، بعد صلاة العصر، طلبت من أحمد يلبس بدلته الكحلية الأنيقة اللي كان شاريها في أول جوازنا وركناها في الدولاب. سألني وهو بيقفل زراير القميص بصعوبة بإيده الشمال رايحين فين يا مريم؟ الدكتور قال بلاش مجهود وخروج كتير. ابتسمت وأنا بعدل له ياقة القميص بابا عازمنا على الغدا.. ومش عازمنا لوحدنا، العيلة كلها هناك.
وشه اتغير شوية وافتكر اليوم المشؤوم اللي دخلت فيه بيت أهلي عشان أستلف وأبويا كسره وكسرني قدام الكل. مسكت إيده بحنية ما تقلقش يا حبيبي.. المرة دي مختلفة، ثق فيا.
ركبنا العربية ووصلنا لڤيلا والدي في المعادي. من أول ما دخلنا البوابة، شفت عربيات العيلة كلها مركونة؛ عربية عمتي، وخيلاني، وقرايب والدي اللي كانوا حاضرين في الجمعة القديمة إياها وشهدوا على إهانتي.
دخلنا الصالون الكبير.. كانت الأنوار كلها منورة، والسفرة ممتدة بأفخر أنواع الأكل، والكل كان قاعد بيتكلم ويهمس. أول ما دخلنا أنا وأحمد ماسكين إيد بعض، الصالون كله سكت تماماً. نظرات قرايبي كانت مزيج من الفضول، والكسوف، والإحراج الشديد. عمتي اللي كانت بتبص في الأرض يوم الإهانة، رفعت عينها وهي مكسوفة، وأمي قامت جري عليا وحضنتني وحضنت أحمد وهي بتدعيله بالصحة والستر.
في صدر الصالون، كان والدي واقف بهيبته المعتادة، لابس بدلته الرسمية الكاملة، وباصص لأحمد بابتسامة فخر عمري ما شفتها على وشه لحد.
أشار والدي بإيده عشان الكل يقف، وخبط بالشوكة على كباية العصير عشان يلفت انتباه الجميع. صوته الرخيم رج أرجان القاعة مرحب بيكم كلكم في بيتي.. أنا جمعتكم النهاردة لسببين، والاتنين أهم من بعض. الأولاني هو إعلان اعتذار رسمي وواضح قدامكم كلكم للراجل اللي واقف هناك ده.. ابني، مش بس جوز بنتي، أحمد الدسوقي.
همسات سرت في القاعة، وبابا كمل بنبرة حاسمة وصريحة من سنتين، دخلت بنتي هنا تطلب مني مساعدة عشان تسند جوزها في أزمة ديون ما كانش له يد فيها، وأنا قعدت على الكرسي ده وطلعت فيهم عقدي وكبريائي، وقلت كلام ما يصحش راجل محترم يقوله لدمه ولحمه. قولت إنه جاي يضيع شقايا، وإنه مش من مستوانا. النهاردة، وبشهادة القانون، وبشهادة كل أوراق شركتي، الراجل ده هو اللي فداني وفدى مالي بدمه. اتكسر جسمه ودخل العمليات وكان هيموت، ورفض يخون أمانتي أو يمد إيده على