طعنة في ضهر أمي ج 2 حكـايات مني السيد حصري
طارق بص لأبوه وأمه، كان بيدور على أي حد يقف جنبه، بس حتى أهله كانوا مصدومين من الفضايح اللي بتتكشف قدامهم. إسلام أخوه استغل الفرصة عشان ينجو بنفسه وصرخ في وش طارق. — أيوة خليهم ياخدوك! أنت مفكرني هسكت على قرفك؟ ده أنت واخد فلوس الست العيانة حماتك عشان تفرش شقة مراتك التانية غزل وتصرف على جوازك الرسمي في السر، وكل ما أكلمك تقولي أنا باخد حقي من ياسمين عشان هي بتكسب أكتر مني. أنت اللي خربت بيتك بإيدك!
الكلمة نزلت على حماتي زي الصاعقة، قعدت على الأرض وبدأت تعيط وتضرب على صدرها. — يا فضيحتي في ولادي! بتسرق حماتك اللي بتاخد كيماوي عشان تتجوز في السر رسمي على مراتك يا طارق؟ بتزور ورق ياسمين اللي شايلاك من يوم ما اتجوزتك؟ يا خسارة تربيتي فيك.
قربت منه، الدوسيه في إيدي، وضربته بيه على صدره بكل قوتي. — أنا مش زعلانة على الفلوس، الفلوس بتروح وتيجي. أنا زعلانة على عمري اللي ضاع مع واحد زيك. زعلانة على الكسرة اللي شوفتها في عين أمي وأنت بتاخد من معاشها عشان تروح تتجوز رسمي وتأجر شقة وتفرشها للهانم. اتناشر ألف جنيه في الشهر من دم ست مريضة؟ ده أنت حتى مجبتش مستوى الحيوانات، الحيوانات عندها رحمة عنك.
حاول يتكلم، صوته كان طالع مخنوق ومذلول. — يا ياسمين افهمي.. أنا كنت هسدد الفلوس دي، القرض ده كان عشان مشروع وكنت هفك الزنقة و..
عمران قاطعه بصرامة. — وفر الحكايات دي للنيابة. قدامك حل من اتنين مفيش تالت ليهم. الحل الأول، سيف بيه يطلب القوة دلوقتي، وناخدك بالورق ده ونعمل محضر تزوير ونصب، ومحضر تاني بسرقة أموال الست عواطف، وتطلع من هنا على الحجز وتتفضح في شغلك في البنك وتترمي في السجن.
طارق بلع ريقه وبص للأرض بخوف. — والحل التاني؟
عمران طلع من شنطته ورق مطبوع كان مجهزه في الطريق. — الحل التاني، تمضي دلوقتي حالاً على تنازل رسمي ونهائي عن نصك في شقة التجمع لصالح ياسمين، مقابل الفلوس اللي سرقتها منها ومن والدتها والقرض اللي سحبته باسمها. وتمضي على إقرار بتبديد منقولات وتنازل عن أي حقوق ليك في القايمة، وتطلقها رمي يمين دلوقتي قدامنا كلنا. تخرج من حياتها زي ما دخلتها، حافي.
طارق رفع عينه بصدمة. — أتنازل عن الشقة؟ دي شقتي! أنا دافع فيها شقا عمري!
رديت عليه ببرود. — شقا عمرك؟ أنت القسط كنت بتدفعه من توفيري أنا لمصاريف البيت. وبعدين شقا عمرك ده هينفعك بإيه وأنت لابس البدلة الزرقا ومعاك قضية تزوير رسمي؟ امضي يا طارق، امضي عشان مفيش وقت كتير لمرقعتك دي، أنا سايبة أمي تعبانة في البيت وعايزة أخلص من القرف ده.
مازن ابن عمي قرب منه ومسكه من ياقة قميصه بعنف. — هتخلص وتمضي ولا نخلص إحنا بطريقتنا؟ لحم بنت عمتي مش رخيص عشان واحد زيك يمرمطه، ولو فكرت تلعب بديلك أنا هطين عيشتك في كل حتة تروحها.
أبوه اتدخل بصوت ضعيف ومكسور. — امضي يا طارق.. امضي وخلصنا من الفضيحة دي، وطلق البنت واديها حقها. إحنا مش وش سجون ومحاكم، كفاية العار اللي لبستهولنا.
وسط الضغط، والخوف من السجن، وانهيار صورته قدام الكل، طارق قعد على الكرسي وإيده بتترعش. مسك القلم اللي عمران حطه قدامه، ومضى على كل ورقة من غير ما يقرأ حتى. مضى التنازل، ومضى إقرار استلام كافة مستحقاته، ومضى على التنازل عن القرض.
وبعد ما خلص، وقف وبصلي بكسرة عمره ما هيتخطاها. — أنتي طالق يا ياسمين.
أخدت الورق من عمران، وحطيته في شنطتي. حسيت إن في جبل انزاح من على صدري. الهوا دخل رئتي نضيف لأول مرة من سنين.
بصيت لطارق نظرة أخيرة. — ورقة الطلاق الرسمي توصلني على بيت أمي في شبرا. وأي محاولة منك إنك تقرب مننا، الدوسيه الأزرق ده وقسيمة جوازك التانية اللي زورت إخطارها هيتفتحوا في النيابة. سلام يا.. يا أبو غزل.
لفيت ضهري وخرجت من البيت، ورايا عمران وسيف ومازن. نزلنا السلم وأنا حاسة إني طايرة. مكنتش زعلانة على الطلاق، كنت حاسة إني اتولدت من جديد.
رجعنا شبرا. شكرت عمران وسيف ومازن من كل قلبي على وقفتهم اللي رجعتلي حقي وكرامتي. عمران قالي إنه هيخلص كل الإجراءات القانونية ونقل الملكية في الشهر العقاري بنفسه، وإني مش محتاجة أشغل بالي بأي حاجة غير صحة أمي.
عدت الأيام والشهور. خلصت إجراءات الطلاق، والشقة اللي في التجمع بعتها خالص. مكنتش قادرة أعيش في مكان فيه ريحة الخيانة والوجع. بالفلوس دي جبت شقة أوسع في منطقة هادية قريبة من شبرا، عشان أمي تفضل قريبة من جيرانها وحبايبها اللي اتربت وسطهم.
عرفت من نادين بعد فترة إن غزل أول ما عرفت إن طارق خسر شقته وإنه ساب شغله في البنك بسبب مشاكل قروضه وفضايح التزوير، رفعت عليه قضية طلاق للضرر وأخدت كل اللي حيلته، وإن طارق عايش دلوقتي مع إسلام أخوه في أوضة واحدة في بيت العيلة، وبيتخانقوا كل يوم زي القطط والكلاب على لقمة العيش. الدنيا لفت ودارت، والجزاء كان من جنس العمل.
أما أمي، فالحمد لله حالتها اتحسنت كتير. جلسات الكيماوي خلصت، وبدأت تسترد صحتها وعافيتها. الضحكة رجعت تنور وشها من تاني.
في يوم خميس الصبح، الشمس كانت طالعة والجو يجنن. دخلت على أمي أوضتها ولقيتها قاعدة بتشرب شاي بلبن. — جهزي شنطتك يا ست الكل.
بصتلي باستغراب. — رايحين فين يا بنت المجنونة على الصبح كده؟
ضحكت من قلبي وقولتلها. — رايحين اسكندرية.. حجزت تذكرتين في اتوبيس السوبر جيت، وهناخد شاليه على البحر أسبوع بحاله، نشم هوا نضيف ونغير جو ونعوض كل الأيام الصعبة اللي فاتت. مفيش مستشفيات، مفيش نكد، مفيش طارق ولا غيره.. إحنا وبس يا أمي.
حضنتني بقوة، ودموع الفرحة في عينيها. — ربنا يسعدك يا ياسمين ويعوضك خير يا بنتي، أنتي سندتي أمك في مرضها، وربنا عمره ما هيخذلك أبداً.
في محطة اتوبيس السوبر جيت، قعدنا أنا وأمي جنب الشباك. الأتوبيس اتحرك، وشوارع القاهرة زحمتها بدأت تختفي وتوسع قدامنا طريق طويل ومفتوح. حطيت راسي على كتف أمي، وغمضت عيني وأنا ببتسم.
أخيراً، الأوضة الضيقة المضلمة اللي كانت جنب الغسالة اتقفلت للأبد، والباب اتفتح على بحر واسع وحياة جديدة، حياة نضيفة، مفيهاش غير الأصول، والعزوة الحقيقية، والكرامة اللي متتقدرش بكنوز الدنيا.
حكايات مني السيد