جوزي رفض اني اكمل تعليم كلية ج 2 حكـايات مني السيد حصري
يا روح قلبي، ألف حمد وشكر ليك يا رب! قمتي لينا بالسلامة وجبتي أجمل ولد في الدنيا، قمر منور وزي الفل.
الممرضة جابتلي ابني، لفته في قماشة بيضا وحطته بين إيديا. أول ما لمس صدري وشميت ريحته، كل الوجع وكل الخوف وكل الذل اللي شوفته الشهور اللي فاتت اتبخر. بكيت بكا طويل، بس مش بكا قهرة، بكا نصر وراحة. بصيت لملامحه البريئة وحلفت في سري إني عمري ما هخليه يحتاج حاجة، ولا هسمح لأبوه الندل ده إنه يورثه طبعه ولا يكسرنا بيه في يوم من الأيام.
لكن التحدي مكنش خلص لسه. كان فاضلي مادتين، والمادة اللي بعديها ميعادها بعد أربع أيام بس!
الدكتورة دخلت تطمن عليا، وبابا سألها بلهفة بنتي قدامها كام يوم وتخرج، وتقدر تتحرك إمتى؟
الدكتورة قالت هي ولدت قيصري والجرح لسه طري والضغط كان عالي، لازم راحة تامة في السرير أسبوعين على الأقل عشان الجرح ميلتهبش ولا يفتح.
بصيت لبابا وقولتله بعزم طالع من وسط التعب لأ يا بابا، المادة الجاية بعد أربع أيام، والمادة الأخيرة بعدها بيومين، لو فوتهم هشيل السنة وهعيدها من الأول، وكل اللي عملته والضرب والبهدلة اللي اتبهذلتها هتبقى راحت على الفاضي، أنا هنزل أمتحن!
بابا وماما اتخضوا، ماما قعدت تصوت وتقولي يا بنتي إنتي مجنونة؟ جرح بطنك والطلق اللي مطلع روحه هتروحي تقعدي على بنش في لجنة؟
قولتلها بإصرار غريب مكنتش أعرف إنه جوايا والله لو هموت على ورقة الإجابة مش هسيب السنة دي تضيع، أنا دفعت تمنها من صحتي ومن كرامتي ومن أعصابي، وربنا مش هيضيع تعبي.
بابا بصلي في عينيا، وشاف فيهم لمعة التحدي، ومسح دمعة كانت نازلة من عينه، وابتسم بفخر وقالي ما دامت دي رغبتك، أنا في ضهرك يا بنتي، وهتروحي وتكتبي وتمسكي الشهادة دي، وأنا اللي هشيلك لحد باب اللجنة.
الأربع أيام دول كانوا معركة حقيقية. كنت برضع ابني بإيد وبذاكر الملازم بالإيد التانية، الجرح كان بيوجعني والمسكنات كانت بتدوخني، بس الرغبة في إني أكسر عين اللي استرخصني كانت أقوى من أي بنج ومسكن.
جه يوم الامتحان الأول، بابا جابلي عربية مريحة، ونزل معايا، والمستشفى كتبتلي تقرير طبي بالحالة، وإدارة الكلية احترمت التقرير وخلتني أمتحن في لجنة خاصة في الدور الأرضي عشان مطلعش سلالم، وحطولي شلتة مريحة تحت ضهري. قعدت، مسكت القلم، وحسيت إن كل سؤال بكتبه هو طوبة بخلعها من جدار الظلم اللي كان مبني حواليا. خلصت الامتحان الأول والتاني، وخرجت من اللجنة الأخيرة والدموع مغرقة وشي وأنا ببص لباب الكلية وبقول في نفسي خلصت.. خلصت ونجحت يا رب!
بعدها بكام أسبوع، النتيجة طلعت. فتحت موقع الكلية وإيديا بتترجف، والاسم ظهر قدامي ناجحة بتقدير جيد جداً!
الزغاريد ملت بيت أبويا، ماما زغردت زغرودة خلت الجيران كلهم يباركوا، وبابا مسكني وحضني حضن عمري ما هنساه، وكان بيبكي زي العيل الصغير ويقول رفعتي راسي يا بنتي، ومخليتيش حد يكسر ليكي عين، شهادتك في إيدك وكرامتك فوق راس الكل.
أما جوزي بقى؟ الحكاية مخلصتش معاه بالساهل.
هو كان فاكر إني هضعف لما أولد، وفاكر إن العيل هيكون الكارت اللي هيلوي بيه دراعي ويدخلني بيته تاني ذليلة ومكسورة، وفضل يبعت رسايل على تليفوني كلها لف ودوران ابننا ملوش ذنب، ارجعي ونبدأ صفحة جديدة، وإنتي خلاص اتخرجتي ومفيش داعي للخلاف، وأنا هعملك اللي إنتي عايزاه.
لكن الرد مكنش مني.. الرد كان من المحكمة.
بابا مسبش حقي ولا حق ابني، رفعنا عليه قضية طلاق للضرر، وقضية نفقة زوجية ونفقة صغار ومصاريف علاج وولادة بالمليم، ومعاهم محضر عدم تعرض بالواقعة اللي حصلت قدام الكلية بشهود الأمن والطلبة والتقرير الطبي اللي كان متسجل فيه حالة الإجهاد الشديد والولادة الطارئة بسبب الاعتداء والانفعال.
في أول جلسة في المحكمة، جه هو وأمه. كان داخل نافش ريشه وفاكر إنه هيقدر يساوم زي كل مرة. أول ما شافني داخلة رافعة راسي، لابسة طقم شيك، شايلة شهادة تخرج الكرتون في فايل في إيدي، وعينيا فيها قوة مكانتش موجودة زمان، وشه اتغير.
القاضي فتح القضية، ومحامينا قدم كل الأدلة الفواتير، التقارير الطبية، المحاضر، وإثبات إنه مكنش بيصرف وإن حماه هو اللي متكفل بكل حاجة ومعه كل التحويلات البنكية وإيصالات دفع مصاريف الكلية.
القاضي لما سمع وشاف كمية البخل والاستغلال والبهدلة اللي اتعرضتلها وأنا حامل، بص لجوزي باحتقار وهز راسه وقاله إنت فاكر الجواز تجارة؟ تبيع وتشتري في كرامة الست اللي على ذمتك وتستغل أهلها؟
الحكم نزل زي الصاعقة عليه تطليق للضرر مع كامل حقوقي الشرعية، مؤخر الصداق، نفقة العدة والمتعة، نفقة شهرية للولد تتقطع من مرتبه في شغله غصب عنه، وإلزامه بدفع كل مصاريف الولادة والمستشفى اللي بابا دفعها بالمليم!
وقف في نص القاعة مزهول، عينه بتلف في السقف وأمه بتلطم على خدها في الممر وبتقوله ضيعت نفسك وضيعت القرشين اللي حيلتك عشان طمعك وخيبتك!
خرجت من باب المحكمة، وقفت على السلم في الهوا الطلق، وبصيت ل بابا اللي كان ماشي جنبي وماسك إيدي، وماما اللي شايلة ابني عمران وبتضحك له. حسيت بفرق السنين اللي عدت في تمن شهور بس. دخلت الجوازة دي وأنا بنت ساذجة، فاكرة إن التنازل هو اللي بيبني البيوت، وفاكرة إن السكوت على الاستغلال رجولة وأصل، وخرجت منها ست قوية، معايا شهادتي، ومعايا ابني، والأهم من ده كله، معايا كرامتي اللي حاولت أحافظ عليها ومسبتهاش تتداس عشان شوية مصاريف.
بصيت لعمران ابني وهو بيضحك في لفته، وقولتله بصوت واطي ومحدش سامعه غيري متخافش يا قلب أمك.. أمك مش ضعيفة، وربتك في عز راجل بجد اللي هو جدك، وعلمتك قبل
ما تنطق إن الحق مبيضعش، وإن اللي يسترخصك ويبيعك بالفلوس، تدوس عليه برجلك وتكمل طريقك وأنت رافع راسك للسما.