فطار حماتي ج 2 حكـايات مني السيد حصري
الحاج فوزي قرب مني، كان وشه في الأرض وخجلان، ومد إيده عشان يسلم عليا باحترام: — حقك علينا يا بنتي.. والله العظيم ما كنا نعرف باللي بيحصل، ولا كنا نتخيل إن الواد ده يطلع بالدناءة دي. إحنا ولاد أصول، واللي يمد إيده على حرمته ويقل بأصلها ميستاهلش يكون مننا. إحنا خارجين، وخلي القانون ياخد مجراه مع اللي ميختشيش.
خرج الحاج فوزي، ووراه خرجت كل العيلة.. واحد ورا التاني، يسيبوا أطباق الأكل اللي بردت على الترابيزات، وصواني المحاشي والرقاق اللي نادية صرفت عليها دم قلبها عشان تتمنظر بيها بقت مرمية ملهاش تمن. الشقة فضيت فجأة، ومبقاش فاضل فيها غيري أنا، وأستاذ إبراهيم، والقوة الأمنية، وطارق، وأمه اللي فضلت قاعدة على الكنبة بتنهج ومصدومة.
معاون التنفيذ بص لطارق بصرامة: — قدامك ساعة واحدة يا أستاذ، تلم متعلقاتك الشخصية ومتعلقات الوالدة، وتسلموا مفاتيح الشقة عشان هنثبت الحيازة وتغيير الكوالين لصالح المدعية، لحين تسوية النزاع المالي وإجراءات الطلاق أو تنفيذ حكم البيع بالمزاد العلني لسداد المديونية.
— مزاد علني؟! —طارق صرخ زي المجنون— شقتي تتباع في المزاد العلني؟! أستاذ إبراهيم رد عليه ببرود قانوني قاتل: — طبعاً.. انت عليك إيصال أمانة بستمية ألف، وفوائد بنكية وتعويضات عن واقعة الضرب اللي مثبتة في الجناية، ولو مدفعتش الفلوس دي كاش في خلال خمسة عشر يوماً، المحكمة هتحجز على نصيبك في الشقة وتطرحها للبيع، وهتدخل الحبس بتهمة التبديد وخيانة الأمانة. وفوق كل ده، شركتك وصلها إخطار رسمي بالحجز على مستحقاتك لسداد القرض اللي انت سحبته بضمان موكلتي بعد ما تم إلغاء الضمانة. يعني ببساطة يا أستاذ طارق.. انت مالياً وقانونياً بقيت تحت الصفر.
طارق وقع على ركبه في الأرض. الراجل اللي كان من تلات أسابيع بيزعق ويشاور بجزمته عشان أصحى أخدم، كان دلوقتي بيبصلي بدموع ذل حقيقية، عيونه مكسورة بطريقة تقطع القلب لو كان قلبي لسه فيه ذرة رحمة لشخص زيه. — مريم.. عشان خاطري —همس وهو بيحاول يمسك طرف البنطلون بتاعي— عشان الأيام اللي عشناها سوا.. أنا غلطت، شيطان ودخل بينا، أمي كانت بتضغط عليا وبتسخنني، أنا مكنتش في وعيي، والله العظيم هبوس رجلك قدام العالم كله بس بلاش خراب بيتي وفضيحتي في الشغل والسجن.. مريم، إنتي كنتي بتحبيني!
رجعت خطوة لورا بقرف، وسحبت طرف بنطلوني من إيده: — أنا كنت بحب الراجل اللي رسمته في خيالي، الراجل السند اللي بيصون الأمانة وبيحترم اللي شاركته الحياة.. لكن إنت مجرد عيل، عايش تحت جناح أمه، بيستقوى على الستات عشان يثبت رجولته الفارغة. الحب اللي اتداس عليه بالبيادة الساعة خمسة الفجر، اتدفن وخرجت روحه خلاص يا طارق.
نادية شافت ابنها وهو بيتوسل على الأرض، قامت بضعف وقلة حيلة، مسكته من دراعه وبدأت تعيط بمرارة: — قوم يا طارق.. قوم يا بني متبوسش إيدين حد.. يلا نرجع طنطا.. يلا نمشي من هنا.
— طنطا؟ —بصيت لنادية وابتسمت بنقاء كامل— بالسلامة يا حماتي.. ماسورة المياه بتاعة شقتك في طنطا زمانها اتصلحت، تقدري تروحي هناك براحتك وتعملي فطارك بإيدك الساعة خمسة، ستة، أو متفطريش خالص.. مفيش هنا خلاص بنات أقاليم يخدموكي وتهينيهم في عقر دارهم.
خلال نص ساعة، كانت الشنط ملمومة. طارق ونادية نزلوا يجروا شنطهم في مدخل العمارة، وسط نظرات البواب وسكان العمارة اللي كانوا واقفين يتابعوا خروجهم المذل في وضح النهار. طارق كان مطأطأ راسه للأرض كأنه مجرم بيترحل، ونادية كانت ماشية عينيها زايغة ومش قادرة ترفع عينها في وش بواب العمارة اللي كانت زمان بتعامله بتعالي وقرف.
بعد ما خرجوا، معاون التنفيذ قفل المحضر، والنجار غير كالون الباب بكالون جديد متين، واستلمت المفاتيح في إيدي. أستاذ إبراهيم ودعني وهو بيقول: «ألف مبروك يا مريم.. خطوتك كانت محسوبة بالسنتيمتر، والقانون دايماً في صف اللي يعرف يحمي ضهره بالورق والهدوء». هزيت راسي وشكرته، وقفلت الباب وراهم.
وقفت في نص الصالة الكبيرة لوحدي. الهدوء كان بيعم المكان بعد أسابيع من التوتر والسموم والصوت العالي. بصيت على الكومودينو في الأوضة جوة، الكومودينو اللي اتخبطت فيه وكان سبب وجعي، وبصيت على الأرضية الباركيه اللي طارق رزعني عليها.. مكنش فيه أي وجع دلوقتي، الوجع كله اتبدل بإحساس جبار بالحرية والانتصار. فتحت الشبابيك كلها على مصرعيها، وخليت هوا مصر الجديدة النضيف البارد يدخل يطرد ريحة نادية، وريحة العزومة المغشوشة، وريحة تلات سنين من التنازلات الغبية اللي كنت بقدّمها باسم الحفاظ على البيت.
بعد شهرين بالظبط.. كنت قاعدة في قاعة المحكمة، لابسة نفس البدلة الكحلي. القاضي نطق بالحكم: «حكمت المحكمة غيابياً بحبس المتهم طارق عبد المنعم سنة مع الشغل وكفالة مالية في جنحة الضرب العمد والتبديد، وبإلزامه بالمصاريف، وإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة». وفي نفس الأسبوع، صدر حكم الطلاق للضرر مع كامل حقوقي المالية والمؤخر والمتعة، وتم بيع نصيب طارق في الشقة للبنك لسداد مديونياته بعد ما اتفصل من شركته نتيجة التحقيقات وسحب الضمانة وسوء السمعة، واشتريت أنا باقي حصة الشقة بتمويل جديد مستقل باسمي أنا لوحدي.
عرفت بعدين من بنت خالته إن طارق رجع قعد مع أمه في شقة طنطا القديمة، شغال مندوب مبيعات بسيط في شركة أدوية محلية بمرتب ميكفيش نص مصاريفه، ونادية جالها جلطة خفيفة أثرت على حركتها، وبقت هي اللي محتاجة حد يساعدها ويسندها في البيت، بس محدش من كل قرايبها اللي كانت بتتفشخر بيهم رضي يدخل بيتها أو يخدمها بعد الفضيحة اللي عملوها.
في آخر يوم استلمت فيه عقد الشقة الخالص المسجل في الشهر العقاري باسمي لوحدي «مريم أحمد المنشاوي»، روحت وقفت في بلكونة شقتي في مصر الجديدة الساعة خمسة الفجر بالدقيقة. الجو كان ساكن، والنور الخفيف بتاع الفجر كان بيشق العتمة. عملت كوباية شاي بحليب بإيدي ومزاجي، وقفت أرتشفها بهدوء وأنا ببتسم وببص للشروق. افتكرت اللحظة اللي طارق شدني فيها ورزعني في الأرض وقال لي "قومي اعملي فطار لأمي"، وافتكرت ابتسامة نادية وهي بتقول "أخيراً هتتعلمي الأدب". ضحكت من قلبي.. لأنهم فعلاً علموني.. علموني إن الطيبة من غير أنياب بتبقى سذاجة، وإن الست اللي تفرّط في كرامتها عشان ترضي راجل، بتصحى تلاقي نفسها على البلاط.. وعلموني إن أحلى فطار ممكن الست تاكله في حياتها، هو فطار العزة، لما تكون هي سيدة قرارها، وصاحبة بيتها، ومفيش كائن على وجه الأرض يقدر يكسر عينها أو يفرِض شروطه عليها.