جوزي مات وسابلي تلات عيال ج 2 حكـايات مني السيد حصري
الزبائن في المحل شهقوا، والناس اللي كانت برة بدأت تتجمع على الباب تتفرج على الفضيحة.
إبراهيم ارتبك، وشه اسودّ وبقى يبلع ريقه بصعوبة قدام نظرات الاحتقار اللي نازلة عليه من كل صوب وحدب، حب يلم الموقف بالعافية وقرب خطوة ناحيتها عشان يمسك دراعها: — يا أماه متفضحيناش قدام الغريب! الكلام ده ما يتقالش في الشوارع، إنتي بتخرفي من كبر السن، تعالي معايا بالذوق أحسن ما أتصرف تصرف مش هيعجب حد!
أحمد ما استحملش، وبحركة واحدة زي الأسد زق إبراهيم بعيد عن السلم، وخبط ضهره في العمود الإستانلس: — إيدك متلمسهاش! الست دي في حمايتي وحماية أمي! إنت فاكرنا العيال الصغيرة اللي كنت بتستقوى عليهم وإحنا بنعيط وبنبوس على إيدك وإيدها ترحمونا؟! أنا دلوقتي راجل، وعندي من الصحة والرجولة اللي تخليني أدفنك مطرحك لو فكرت بس تبص للمحل ده بنظرة طمع!
إبراهيم اتعدل وهو بينهج، الحقد والغل عمى عينيه، وبصلي وبص للمحل كله وهو بيزعق بهيستيريا: — المحل ده بتاعنا! الفلوس دي فلوس أخويا، حق العيلة! إنتي سرقتي دهب أمي وسرقتي ورث العيال عشان تفتحي بيه المشروع ده! مش هسيبكم تتهنوا بيه، هرفع عليكم قواضي وأقلب عيشتكم طين وأشردكم من تاني! والله لادخلكم السجن كلكم يا غدارين!
هنا، حماتي اتحركت، مشيت خطوات بطيئة لكن ثابتة لحد ما وقفت بين إبراهيم وبيني، بصت في عين ابنها بجمود تام، ومدت إيدها الضعيفة وضربته كف على وشه… صوت الكف رن في سكات المحل كله.
إبراهيم حط إيده على خده وهو مبرق ومش مصدق: — بتمدي إيدك عليا عشان دول؟!
حماتي اتكلمت بصوت طالع من قاع الحزن والقهر: — أمد إيدي وأقطع لسانك كمان! ورث مين يا واطي؟! ودهب مين اللي بتتكلم عنه؟! المحل ده مبني بعرق لحم الست الشريفة دي، اللي باعت حلقان بناتها عشان تأجر أوضة تستر فيها عيال المرحوم! دهب مين وأنا كنت بكنس الشقة وراها عشان ملقيش فيها فتافيت عيش تاكلها؟! المحل ده رزق ربنا للأيتام اللي أنا وإنت تجبرنا عليهم ورميناهم للكلاب، لكن ربنا كان أرحم بيهم مننا. إنت مش ابني، ولا أعرفك، ولا ليك مليم هنا ولا في بيت أبوك، واللقمة اللي باكلها هنا دي كرم وجود من لحم نضيف، مش من غدرك وقسوتك!
الناس اللي في الشارع والمحل بدأوا يهللوا: — حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا قليل الأصل! — ارموه برة المحل، ده واد جاحد ملوش أمان! — اطلع برة يا واطي، روح لأمك اللي شردتها جاي دلوقتي تطمع في رزق الأيتام؟!
إبراهيم لقى الدنيا بتضيق عليه، وكل العيون بتنهش فيه بغضب، رجع لورا بضهره وهو بيشتم ويلعن في الهوا، مسك نضارته المكسورة وزعق بصوت مهزوز قبل ما يجري على التوكتوك: — مش هسيبكم… والله ما هسيبكم! مسيركم تقعوا في إيدي!
ركب التوكتوك وجري وسط صياح الناس وتفالهم في سكته، وانتهت الزفة اللي كان فاكر إنه هيرعبنا بيها.
المحل هدي، بس الهوا كان لسه تقيل. بصيت لحماتي، كانت واقفة بتنهج، ورجلها خانتها فجأة وكانت هتقع على الأرض. جريت عليها أنا وأحمد في نفس اللحظة، مسكناها من تحت دراعاتها وسندناها لحد ما قعدناها على أقرب كرسي.
جبتلها كوباية مية بسكر، شربت منها بق، وبعدين رفعت راسها وبصت لأحمد، مسكت إيده الباردة الخشنة من الشغل، وضمتها بين إيديها الاتنين الدايبين، وعينيها بتفيض بالدموع: — سامحني يا ضنايا… سامح ستك اللي عميت عينيها الدنيا وظلمتكم. ده أنا كنت هموت من غير ما أشوف العدل بعيني، حقكم جه لحد عندي وكسرني، بس كسرني بالحق. ربنا يحميك لأمك وأخواتك، إنت الراجل اللي أبوك كان يتمناه.
أحمد فضل باصص لإيدها اللي ماسكة إيده، عيونه لمعت بدمعة حارة نزلت غصب عنه، مرار السنين كله اتبخر في اللحظة دي لما شافها بتنتصر للحق وبتضرب ابنها عشانهم. وطى براسه بهدوء، وباس راسها من فوق الطرحة بصوت مخنوق: — خلاص يا ستي… اللي فات مات، والمسامح كريم. إنتي في حمانا ومحدش هيقدر يمسك بسوء طول ما فينا نفس بيطلع وينزل.
في اللحظة دي، حسيت بحمل تقيل كان على صدري سنين طويلة وقع واتكسر مليون حتة. القهرة اللي كانت كاتمة على أنفاسي من يوم ما طردتني زمان راحت، والخوف من بكرة اختفى، لأن ربنا مش بس عوضني بالمال والرزق الحلال، ده عوضني بعيال رجالة، وشفى غليلي بالعدل الإلهي اللي مبيسيبش مظلوم، وخلى اللي ظلمني هو نفسه اللي يعترف بظلمه ويدافع عن حقي.
مرت السنين بعد اليوم ده هادية ومبروكة. إبراهيم لا رفع قواضي ولا قدر يقرب من المحل تاني، عرف إن الأرض صلبة ومفيهاش ثغرة يدخل منها، وبعدها بسنتين سمعنا إنه طلق مراته وخسر شقته في الديون وسافر يدور على شغل في أي حتة بعيد.
أما إحنا، فمحل السمك كبر، واشترينا العمارة كلها، ومكناش بننسى فضل ربنا، كل يوم جمعة صواني السمك والرز بتطلع لله على بيوت المحتاجين والأيتام في المنطقة، عشان نفتكر دايماً إن اللقمة دي بدأت بحلقين دهب وباب رزق فتحهولنا راجل طيب لوجه الله.
حماتي عاشت معانا معززة مكرمة لحد ما جه يومها، وخرجت جنازتها من بيتنا، وأحمد وأخواته هما اللي شالوها على كتافهم لحد القبر، صلينا عليها بالرحمة وسامحناها من كل قلوبنا.
ودلوقتي، وأنا واقفة في مكتبي الجديد في المحل، ببص من الشباك على أحمد وهو بيعلم ولاده أصول الشغل، وبناتي التانيين اتجوزوا وعايشين في خير ونعمة، ببتسم من كل قلبي وبقول: "الحمد لله… ما ضاع حق وراه صبر وسعي، وربك لما بيدي، بيعوض لدرجة تخليك تعيط من كتر الشكر".