ثمن الطيبة وسواد النفوس ج 2 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

منى رجعت بيت حماتي، بس مش منى المتكبرة اللي كانت بتبص للناس بتعالي وتمد إيدها تاخد اللي مش بتاعها، رجعت مكسورة الجناح، على كرسي بعجل، لا حيلة لها ولا قوة، وشها شحب، وعينيها اللي كانت بتقد شرار انطفت تمامًا وبقت نظرتها تملأها الذل والانكسار. بقت قاعدة في أوضة صغيرة تحت، تسمع حس الدنيا والناس طالعة ونازلة وهي مش قادرة حتى تقوم تعمل لنفسها كوباية شاي أو تدخل الحمام من غير ما حد يسندها.

في المقابل، كأن ربنا كان بيعوضنا عن كل ثانية خوف وحزن وقهر عشناه في الفترة اللي فاتت. السحر لما اتفك واتحرق بنور القرآن، البركة رجعت بيتنا زي المطر. شركة المقاولات اللي جوزي كان شغال فيها اتوسعت، وربنا فتح عليه في مشروع كبير جدًا كسب منه أضعاف المبلغ اللي كانت أخته سرقته منه. الديون كلها اتسددت، وبقينا عايشين في راحة بال ورضا عمري ما حسيته في حياتي. والأهم من الفلوس، ربنا كرمني وحملت بعد سنين انتظار، البيت اتملى بهجة وضحكة أحمد رجعت تنور وشه من جديد.

حماتي كانت دايماً معايا، علاقتنا بقت أقوى وأعمق، كانت شايلاني في عينيها وبقت تتكسف حتى تبص في وشي من كتر خجلها من تصرفات بنتها. كنت بدخل عليها، ألاقيها قاعدة بتعيط لوحدها من اللي حصل لمنى، فكنت أقعد جنبها وأطبطب عليها وأقول لها: "يا ماما متزعليش، ربنا كبير ورحمته وسعت كل شيء، وهي بتدوق نصيبها وبتتعلم."

وفي يوم من الأيام، قبل ولادتي بشهر، كنت نازلة عند حماتي عشان أحضر لها الغدا وأقعد معاها شوية زي عادتي. وأنا داخلة من باب الشقة، لقيت باب أوضة منى مفتوح، وسمعت صوت بكاء واطي ومخنوق طالع من جوه. رجليا وقفت، مكنتش بدخل أوضتها خالص من يوم ما رجعت، كنت بتجنبها تمامًا عشان مشوفش الذل في عينيها ولا أحسسها بحاجة.

لكن المرة دي، سمعتها بتنادي بصوت ضعيف ومرتعش: "ولاء... ولاء يا أختي، تعالي بالله عليكي متخافيش مني."

قلبي وجعني، وقفت للحظة استجمعت فيها قوتي، ودخلت الأوضة. لقيتها قاعدة على طرف السرير، رجليها متغطية بملاية، وجسمها كله خاسس، ووشها مسحوب. أول ما شافتني داخلة، نزلت عينيها في الأرض وفضلت دموعها تنزل على كفوف إيديها.

قربت خطوتين ووقفت بهدوء: "نعم يا منى؟ محتاجة حاجة؟ أجبلك أكل ولا مياه؟"

منى رفعت راسها بالعافية، وبصت لي بنظرة مليانة ندم حقيقي عمري ما شفته، نظرة إنسان داق العذاب وشاف نهايته بعينه. مسكت الكرسي المتحرك اللي جنبها وحاولت تقرب، وقالت بصوت متقطع وخانقاه العبرة: "أنا مش محتاجة أكل ولا شرب يا ولاء... أنا محتاجة كلمة واحدة بس عشان أقدر أنام بالليل، وميبقاش في كوابيس بتاكل في جسمي كل ما أغمض عيني. سامحيني يا ولاء... ابوس رجلك سامحيني، أنا اللي شيطاني غواني، أنا اللي الغيرة والحقد حرقوا قلبي لحد ما بقيت عميا، كنت بشوفك بتاخدي حب أمي وأخويا وربنا ميسر لك كل حاجة وأنا في هم وقرف، فقولت إشمعنى هي! قولت ليه هي تبقى مبسوطة وأنا لأ!".

سكتت لحظة وهي بتشهق، وكملت: "الدجال اللي روحت له قالي هخلي حياتها جحيم، هخلي جوزها يكرهها ويشوفها زي القرد، وهخليهم يفتقروا وميقوملهمش قومة... مكنتش عارفة إني بحفر قبري بإيدي، مكنتش عارفة إن ربنا بيمهل ولا يهمل، وإن الأذى اللي رميته على عتبتك هيلف ويرجع يكسر ضهري ويخليني عاجزة في قعر داري، لا نافعة لنفسي ولا لغيري، وجوزي اللي حرقت دمي علشانه رماني زي الكلبة، وفلوسكم اللي سرقتها راحت في العمليات والعلاج ومتبقاش منها قرش واحد!".

كلامها كان بينزل عليا زي الصخر. شفت الانهيار التام للإنسان لما يبيع ضميره، شفت إزاي ربنا بيعدل الميزان في الدنيا قبل الآخرة. الغل اللي كان عاميها اتحول لحسرة هتعيش بيها بقية عمرها. بصيت عليها ولقيت نفسي لا حاسة بغل ولا حاسة بكره، بالعكس، حسيت بشفقة عظيمة على حالها.

أنا مسكت إيدها المرتعشة، ونزلت لمستواها وبصيت في عينيها وقولت لها بصوت هادي وواثق: "أنا سامحتك لوجه الله يا منى، مش عشانك، عشان خاطر أحمد وعشان خاطر حماتي اللي ملهاش ذنب في وجع القلب ده. السحر اللي عملتيه ربنا أبطله بنوره وقوته، والأذى اللي خططتي له ربنا رده في نحرك. إنتِ خسرتي صحتك وخسرتي بيتك وخسرتي ثقة أخوكي، بس لسه قدامك فرصة تنقذي اللي باقي من آخرتك. صلي واستغفري، واطلبي العفو من ربنا قبل ما تطلبيه مني، لأن حسابه هو اللي عسير."

منى فضلت تبوس في إيدي وتبكي بهستيريا وتقول: "الحمد لله... الحمد لله يا رب، ربنا يبارك لك في بطنك وفي ضناك، ويديكي على قد نيتك الطيبة اللي أنا مكنتش شايلاها في قلبي."

خرجت من أوضتها وأنا حاسة بنسمة هوا باردة بتملى روحي، كأن آخر عقدة من عقد الماضي اتفكت تمامًا. نزلت قعدت مع حماتي اللي كانت بتبص لي بحب وامتنان، وقالت لي وهي بتطبطب على كتفي: "الأصيل بيفضل أصيل يا بنت الناس الكرماء، ربنا يرزقك بالذرية الصالحة ويفرح قلبك زي ما سترتي علينا وسامحتي."

بعدها بشهر، نورت دنيتنا بنوتة صغيرة زي القمر، أحمد سماها "نور"، عشان تكون النور اللي بيمحي كل العتمة اللي عشناها. يوم عقيقتها، البيت كان مليان حبايب وناس جاية تبارك، والضحكة كانت مالية كل ركن، والمصحف كان شغال بصوت خاشع يملى البيت سكينة وطمأنينة. وأحمد كان شايل بنته وبيبص لي بابتسامة فيها كل معاني الأمان والتقدير، وعرفنا ساعتها إن اللي بيتقي الله وبيصبر على الأذى وميردش الغدر بغدر، ربنا بيكون هو وكيله ومحاميه، وإن دايرة الظلم مهما لفت وطالت، لازم ترجع تفرتك صاحبها، وإن الحق دايماً بيبان ولو بعد حين.

النهاية 

تم نسخ الرابط