بذور الشر وحصاد المرار ج 1 حكـايات مني السيد حصري
جوزي دخل يجري على صوت صريخي، كان لسه بيعدل هدومه وعينيه مليانة نوم، بس أول ما بص على الأرض، النوم طار من عينه وشه شحب كأنه شاف الموت بعينه. ركع جنبنا على الأرض وبدأ يهز في الواد بهستيريا: «أحمد! فوق يا بني.. إيه ده؟ هو واخد إيه؟ عملتي فيه إيه يا منى؟»
كنت بعيط وبصرخ مش مجمعة، مكنتش قادرة أرد ولا أنطق. جوزي مد إيده بالعافية يحاول يفتح فك الواد عشان ميعضش لسانه، وأنا بمسح في وشه ومناخيره اللي كانت بتنزف دم خفيف، والهدوم بتاعته كانت متبهدلة بالكامل بعد ما فقد التحكم في نفسه وعملها على روحه وهو فاقد الوعي. المنظر ده بالذات رجعلي شريط ذكريات أسود مكنتش عايزة أفتكره، مشهد البهدلة والعجز اللي كنت بشوفه في حماتي وأشمئز منه، بس المرة دي مكنش في مجال للقرف، كان في نار بتحرق في قلبي، كان ابني حتة مني اللي بيتدمر قدامي بالبطيء.
طلبنا الإسعاف وأنا بنهار في التليفون ومش قادرة أوصف العنوان للدكتور. الدقايق اللي استنيناها لحد ما الإسعاف جه كانت شبه سنين بتعدي على صدري، كل ثانية تمر والواد نفسه بيقل وصوته بيتحشرج كأنه بيلفظ أنفاسه الأخيرة. لما المسعفين وصلوا وشالوه على النقالة، طلعت أجري وراهم بالعباية من غير حتى ما ألبس طرحتي عدل، وجوزي كان طالع نازل في السلم زي المجنون، الجيران خرجوا على الصوت يتفرجوا ويهدوا فينا، بس الفضيحة كانت خلاص رنت في العمارة كلها.
في المستشفى، اتنقل أحمد فوراً على الرعاية المركزة وقسم السموم. فضلنا واقفين أنا وحسام في الممر قدام الباب المقفول بالساعات، مفيش في إيدينا حاجة غير الدعاء، بس لساني كان عاجز حتى عن الاستغفار. الدكتور خرج بعد ما الفجر شقشق، باصص لنا بوش عابس وخالي من أي تعاطف، وقالنا بلهجة ناشفة: «ابنكم كان هيموت، النسبة اللي واخدها من مادة الشابو المخلوطة ببلاوي كانت كفيلة توقف عضلة القلب وتعمله جلطة في المخ. ستر ربنا إنه اتلحق في آخر لحظة، بس الشحنة دي كانت تقيلة جداً، وجهازه العصبي متبهدل، ولو خرج من هنا ورجع لنفس السكة تاني، المرة الجاية مش هتلحقوه، نهايته هتكون يا السجن يا القبر».
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، حسيت برجلي مش شيلاني وقعدت على أرض الممر في المستشفى وسط الناس، ألطم على وشي وأبكي بحرقة: «ليه يا أحمد؟ ده أنا كنت شايلك في عيني، ده أنا حرمت نفسي من كل حاجة عشانك!». حسام وقف فوق راسي وبصلي بنظرة كلها كره وعتاب كسر ضهري أكتر من كلام الدكتور، قالي بصوت واطي ومخنوق: «من يوم ما طردنا أمي وسيبناها تموت بحسرتها والبيت ده مبقاش فيه بركة، اللي بنزرعه بنحصده يا منى.. ربنا مش بيسيب، والحساب بيجي في أعز ما نملك».
مرت أربع أيام في المستشفى كأنها كابوس مبيخلصش، وأحمد نايم بالمحاليل وجسمه بينفض كل ما مفعول المهدئ يخف، يصرخ ويشتم ويكسر في الأجهزة، ويهلوس بكلام مش مفهوم عن ديون عليه لناس في الشارع وعن ناس هيموتوه لو مخدوش فلوسهم. اكتشفنا في الأيام دي إن الواد مش بس بيشرب، ده غرقان لشوشته، بايع موبايله، وسارق دهبي اللي كنت شايلاه للزمن، وحتى شاشة التلفزيون والأجهزة الخفيفة اللي في البيت كان بينزلها واحدة ورا التانية بحجج فارغة وأنا الغبية مكنتش واخدة بالي.
لما استقرت حالته وكتبوله خروج، كانت النصيحة الوحيدة إنه يدخل مصحة مقفولة يتعالج فيها، بس تكاليف المصحة كانت مبالغ خيالية مفيش في قدرتنا ندفع ربعها، خصوصاً بعد ما الفلوس اللي كانت معانا طارت كلها في المستشفى والدكاترة وتجار المخدرات اللي أحمد كان واخد منهم شكك. اضطرينا ناخده ونرجع بيه على البيت، وحسام قال بحزم: «هيتحبس هنا في الأوضة، هنمنع عنه النزول والفلوس، وهنفضل جنبه لحد ما السم ده يخرج من دمه ونرجعه راجل من أول وجديد».
بس الحقيقة المرة كانت أصعب من أي خيال. حبسنا أحمد في أوضته، وشيلنا كل حاجة ممكن يأذي بيها نفسه، بس البيت اتقلب لسلخانة. أعراض الانسحاب بدأت تظهر عليه بكل وحشيتها وتتحكم في تصرفاته؛ صريخ مستمر مبيقفش، يخبط راسه في الحيطان لحد ما تنزل دم، يعرق عرق غزير وريحته تقطع الخميرة من البيت، يترجاني مرة ويبوس رجلي عشان أنزل أجيبله جرعة تهدي جسمه، ولما أرفض، يتقلب لوحش كاسر يسب ويلعن ويمد إيده عليا ويزقني في الحيطة!
كنت بدخل له بالأكل والصينية بتترعش في إيدي، ألاقيه قالس في الأرض بهدومه الوسخة، مش طايق حد يلمسه، وزاهد في الأكل والشرب. كل ما أقرب منه عشان أنضف حواليه أو أغيرله الملاية اللي اتبهدلت، يصرخ في وشي بعيون زاغة: «ابعدي عني يا ولية، ريحتك خنقتني، انتي السبب في اللي أنا فيه! انتي وأبوكي اللي دمرتوني!». الكلمات كانت بتدبحني، كنت ببلع الإهانة والضرب وأقف في الزاوية أعيط من غير ما أقدر أمد إيدي عليه ولا حتى أعاقبه، كنت حاسة إني بستاهل كل إهانة وكل قهر بيحصلي.
في يوم، حسام كان نزل الشغل بعد غياب طويل عشان يلحق مرتبه اللي اتخصم، وكنت لوحدي مع أحمد في الشقة. فجأة سمعت هدوء مش طبيعي في الأوضة، قلبي نغزني، جريت فتحت الباب، لقيت أحمد واقف في البلكونة، مطلع نص جسمه لبرة وباصص لتحت، كان بيحاول ينط على ماسورة الغاز عشان يهرب وينزل للشارع يجيب الجرعة بأي طريقة!
صرخت وجريت عليه، مسكت في قميصه بكل قوتي، شديته لجوة وهو بيعافر ويضرب في صدري وكتفي برجليه، وقعنا إحنا الاتنين على أرضية البلكونة، وفضل يضرب فيا بإيده ورجليه زي المجنون وهو بيصرخ: «سيبيني أنزل! هموت.. جسمي بيتقطع يا عالم، سيبيني أموت وأرتاح منكم!».
فضلت حاضناه ومكلبشة فيه بجسمي كله، ودموعي نازلة تغسل وشه، مستحملة ضرباته وشتيمته اللي كانت بتسمع كل اللي في الشارع، وأنا بقول لنفسي: «ده حقك يا حماتي، ده وجع قلبك وعجزك اللي كنت بستقوى عليه، رجعلي في ابني وفي أعز ما أملك، وبقيت أنا العاجزة اللي قاعدة تحت رجليه بتنضرب وتتهان، ومش قادرة حتى أشتكي».