الأم خانت الأمانة ج 2 حكـايات مني السيد حصري
وقفت في مكاني على الباب، ساند بإيدي على الحلق، وباصص للمنظر اللي قدامي ببرود تام. اللوجستيات وإدارة الأزمات علمتني حاجة مهمة أوي لما الخصم يرمي بكل كروته في أول الجولة، يبقى هو داخل على طمع وخايف من السير العكسي.
أمي كانت بتعيط بحرقة مصطنعة، حاطة إيدها على قلبها وبتترعش، وخالي محمد واقف وفارد صدره وعينيه بتطلع شرار، وجوز منى، عصام، واقف وراهم حاطط إيده في جيبه وبيبص لي بنظرة لؤم، والراجلين الكبار من العيلة اللي جايبينهم معاهم عشان يعملوا قعدة حق واقفين بيهزوا رؤوسهم بقلة حيلة وكأنهم جايين يربوا عيل صغير غلط في الأصول.
خالي محمد زعق تاني وصوته صدى في السلم
أنت متمسمر مكانك كده ليه يا واد؟ أنا بكلمك! عاجبك المنظر ده؟ أمك الحاجة نادية، اللي لفت بيك السبع لفات، واقفة على بابك مكسورة وخاطرها مكسور بعد ما فضحتها وخليت اللي يسوى واللي ما يسواش يتكلم عليها؟ فين رجولتك؟ فين تربيتنا ليك؟
في اللحظة دي، منى خرجت من جوه على صوت الزعيق، وشها اصفر أول ما شافت جوعها عصام وخالها. عصام أول ما شافها برطم
تعالي يا هانم.. تعالي شوفي أخوكي وعمايله، وأنتِ واقفة معاه وسايبة بيتك وعيالك وجاية تشاركيه في عقوق الوالدين؟
منى اتملت رعب، لسه هترجع لورا، بس أنا مسكت إيدها وثبتها جنبي. بصيت لخالي محمد وقلت له بنبرة هادية جداً، النبرة اللي بتعصب أي حد منفعل
اتفضلوا ادخلوا.. البيوت ليها حرمة، والزعيق في وسط السلم ده مش بتاع ناس أصول يا خال.
خالي محمد بص لأمي وقال لها ادخلي يا ختي، ادخلي وراسك مرفوعة، ده بيت ابنك غصب عنه.
دخلوا الصالة. أمي قعدت على الكنبة الكبيرة، وراحت منهارة في العياط زيادة، والرجالة قعدوا، وعصام وقف جنب خالي. أنا قفلت الباب وراهم بالترباس، ووقفت في نص الصالة، مربع إيدي.
خالي محمد بص لي وقال
شوف يا كريم، إحنا مش جايين نطبطب عليك. اللي أنت عملته ده قلة أدب وفضيحة للعيلة كلها. تفتح لايف على الفيسبوك وتفرج علينا أصحابنا وجيراننا ونسايبنا؟ أنت هبلت يا ابني؟ أمك مهما عملت، تشيل جزمتها فوق راسك. لو كانت ضربت سارة ولا زعقت لها، سارة تستحمل، دي في مقام أمها. إنما توصل بيك الدناءة إنك تطردها بالليل وتهددها بالشرطة؟
بصيت لأمي، لقيت عينها صبّت في عيني، ومسحت دموعها بسرعة من ورا المنديل ورمت لي نظرة تشفي.. كانت مفكرة إن بلمة الرجالة دي هأكش وأبوس على إيدها ورجلها وأطلب السماح.
قلت لخالي محمد بكل هدوء
خلصت كلامك يا خال؟
خالي خبط بعصايته على الأرض
خلصت وزفت! رد عليا هتعمل إيه؟ أنت هتقوم دلوقتي تبوس على إيد أمك ورأسها، وتلغي الفيديوهات الزفت دي من موبايلك، وتعتذر لعصام جوز أختك عشان أخدت مراته من وراه، وسارة دي تروح بيت أهلها لحد ما تتربى وتعرف إزاي تحترم حماتها، وبعدين نشوف ه نصالحها إزاي.
ضحكت بصوت عالي.. ضحكة سخرية هزت الأوضة كلها.
عصام اتنرفز وقال
أنت بتضحك على إيه يا كريم؟ أنت شايفنا بنهزر؟
نزلت إيدي، وقربت من خالي محمد، وقعدت على الكرسي اللي قباله. بصيت للراجلين الكبار من العيلة وقلت لهم
يا حاج قاسم، يا حاج عبد الله.. أنتوا رجالة أصول وأصحاب كلمة حق، وعمركم ما ترضوا بالظلم. وأنا هحكيلكم اللي حصل بالظبط، بس مش بلساني.. بالأدلة.
أمي أول ما سمعت كلمة الأدلة، ملامح وشها اتهزت. صرخت بسرعة
أدلة إيه وكدب إيه! ده ركب كاميرات في بيتي عشان يتجسس عليا وعلى مراته، ولفق لي الفيديوهات دي.. أنت بتصدق الكاميرات وتكدب أمك يا كريم؟
طلعت موبايلي من جيبي. وفتحته. خالي محمد قال بعصبية
شيل الزفت ده من قدامنا، إحنا مش جايين نتفرج على تليفونات.
قلت له
لا يا خال.. هتشوف. عشان أنت راجل صعيدي وبتعرف الأصول، والست الصعيدية لما تدخل بيت جوزها بتبقى أمانة في رقبة راجلها.
شغلت الفيديو الأولاني.. الفيديو اللي مدته عشر دقايق قبل ما أنا أوصل البيت. حطيت الموبايل على التربيزة في النص وعليت الصوت لآخر حاجة.
في الأول، ظهر صوت آدم وهو بيصرخ صريخ يقطع القلب. وبعدين ظهرت أمي وهي ماسكة علبة المسكن بتاعة سارة، وبتحدفها في الأرض بكل غل، وتدوس عليها بجزمتها لحد ما الإزاز اتملا فتافيت وحتت حامية. وظهر صوت أمي الواضح والنقي وهي بتقول لسارة
انزلي على إيديكي ورجليكي لمي الإزاز ده فتوفتة فتوفتة.. ولو لقيت فتكوتة واحدة، مش هتشوفي الواد ده تاني، وهسيبه يصرخ لحد ما يقطع النفس.
وبعدين الكاميرا جابت سارة.. وهي نايمة على بطنها، بتزحف، والدم نازل من جرح عمليتها مغرق الهدوم، وإيديها متجرحة من الإزاز وهي بتلم وتعيط وتتوسل بوس إيدك يا حاجة نادية.. سيبيني أرضعه الواد هيموت في إيدك.. وأمي بتبعد عنها وبترفسها برجليها خفيف وتقول لها أحسن.. عشان تموتي ونخلص من صنفك الوخس.
الأوضة فجأة بقى فيها صمت رهيب.. صمت الموت.
الحاج قاسم والحاج عبد الله عينيهم وسعت من الصدمة، وبصوا لأمي بنظرات قرف وذهول. خالي محمد الكلام وقف في زوره، وبص للشاشة وهو مش مصدق إن الست اللي ظاهرة دي هي أخته الحاجة نادية الست المتدينة اللي بتروح الجمعيات الخيرية وتوزع شنط رمضان.
أمي وشها جاب ألوان.. من الأصفر للأزرق للأحمر. حاولت تقوم تقفل الموبايل، بس أنا سحبت التليفون بسرعة وقلت لها
لسه يا حاجة.. لسه مخلصناش.
شغلت الفيديو التاني.. فيديو من يومين فاتوا، وأنا مش موجود في البيت. أمي كانت واقفة في المطبخ، وسارة تعبانة وبتنهج، وأمي مسكت حلة الشوربة السخنة ودلقتها على الأرض وقالت لها امسحي ده دلوقتي حالا.. إحنا مش جايبين ست هانم تقعد في السرير.
قفل تليفوني وحطيته في جيبي. وبصيت لخالي محمد اللي كان وشه اسود من الكسوف والخزي.
قلت له بصوت حاد وزي السكينة
ها يا خال؟ هي دي الأصول؟ هي دي الست الصعيدية اللي بتصون بيوت العيلة؟