ابويا خباني تحت ترابيزة ج 2 حكايات مني السيد
كاميرات حوالين البيت والمكتب.
لكن اللي كان بيبعت الرسائل...
كان ذكي.
ولا مرة ظهر وشه.
ولا ساب أي أثر.
...
بعدها بثلاث أيام...
دخلت عليا المكتب ست كبيرة في السن.
لابسة ملاية لف، ووشها كله حزن.
قالت
إنتي الأستاذة منى؟
قلت
أيوه.
طلعت صورة من شنطتها.
أول ما شفتها...
وقفت مكاني.
الصورة كانت لأحمد.
لكن كانت قديمة.
واقف جنب راجل تاني.
الست قالت
ده ابني.
بصيت للصورة تاني.
كان الراجل اللي واقف جنب أحمد.
قالت
ابني مات من أربع سنين.
استغربت.
وأحمد ماله؟
قالت وهي بتمسح دموعها
كان صاحبه.
سكتت شوية...
وبعدين قالت
ولما ابني مات...
اكتشفت إن كل أملاكه اتباعت.
...
بدأت تحكي.
ابنها كان فاتح معرض أجهزة كهربائية.
اتعرف على أحمد.
بقوا أصحاب.
وبعدين أقنعه يدخل معاه في استثمار.
بعد سنة...
كان كل شيء باسمه.
وابنها بقى مديون.
وبعدها بشهور...
اتوفى بأزمة قلبية.
قالت وهي بتبكي
أنا طول السنين دي فاكرة إن ابني هو اللي غلط.
لحد ما شفت أحمد في الأخبار وهو بيتحاكم.
مدتلي ملف.
وقالت
يمكن الورق ده يفيد.
...
قعدت أنا وهبة نراجع الملف.
وفجأة...
لقينا اسم متكرر.
شركة اسمها...
الأمان للاستثمارات.
نفس الشركة كانت موجودة في أكتر من قضية.
وكل الضحايا...
مروا بنفس السيناريو.
استثمار...
ديون...
تزوير...
واختفاء.
...
هبة قالت وهي بتقلب الورق
واضح إن أحمد ماكانش المدير.
قلت
يعني؟
قالت
في حد أكبر منه.
...
الجملة دي فضلت ترن في دماغي.
يمكن أحمد كان مجرد واجهة.
يمكن الشخص الحقيقي...
لسه بره.
...
في نفس الليلة...
وأنا راجعة البيت...
لقيت باب الشقة مفتوح سنة.
اتجمدت.
أنا متأكدة إني قفلته.
دخلت بحذر.
كل حاجة كانت مكانها.
ولا حاجة متسرقة.
لكن وأنا داخلة أوضة النوم...
لاحظت إن الدولاب مفتوح.
والأوراق كلها مرمية على الأرض.
حد كان بيدور على حاجة.
بس ماخدش حاجة.
...
اتصلت بالشرطة.
بعد المعاينة...
الظابط قال
الغريب إن اللص ما لمسش الذهب.
فعلاً.
الدهب كان موجود.
اللابتوب موجود.
الفلوس موجودة.
اللي اتقلب...
كان الورق بس.
...
رجعت أبص على الملفات.
كلها ملفات تخص قضية أحمد.
يعني...
اللي دخل...
كان بيدور على دليل.
...
وأنا بجمع الورق...
وقعت مني صورة قديمة.
أنا وأحمد يوم الفرح.
ورانا كان في راجل كبير، لابس بدلة كحلي.
ماكنتش واخدة بالي منه قبل كده.
بصيت للصورة أكتر.
حسيت إني شفته قبل كده.
لكن فين؟
...
تاني يوم...
روحت للعم سيد.
وريته الصورة.
أول ما شافها...
وشه اتغير.
قال
مش معقول.
قلت بسرعة
مين ده؟
رد وهو بيقرب الصورة من عينه
ده فؤاد الشرقاوي.
كان محاسب في شركة كبيرة.
ومن عشر سنين اختفى.
استغربت.
اختفى إزاي؟
قال
اختفى...
والشركة اكتشفت بعدها إن ملايين الجنيهات راحت.
...
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت
تقصد إنه ليه علاقة بأحمد؟
رد
واضح إن العلاقة أكبر بكتير.
...
بعد يومين...
النيابة استدعتنا.
كان فيه تطور جديد.
دخلنا مكتب وكيل النيابة.
لقيناه حاطط قدامه ملفات كتير.
قال
في شاهد جديد.
دخل راجل في الخمسينات.
أول ما شفته...
عرفته.
كان موظف سابق عند أحمد.
قال
أنا ساكت بقالي سنين.
لكن خلاص.
وبدأ يحكي.
قال إن أحمد كان بينفذ أوامر شخص واحد.
وكل العقود...
كانت بتروحله الأول.
وكل الفلوس...
كانت بتتقسم.
وكمان قال جملة خلت المكان كله يسكت.
أحمد ماكانش بيختار ضحاياه.
كان فيه حد بيسلمهم له.
...
بصيت للعم سيد.
لقيته بيكتب اسم على ورقة.
وراني الورقة.
كان مكتوب عليها
فؤاد الشرقاوي.
في اللحظة دي...
وكيل النيابة فتح درج مكتبه.
طلع صورة قديمة.
وحطها قدامي.
الصورة كانت لنفس الراجل...
لكن واقف جنب شخص تاني.
الشخص ده...
خلاني أحس إن الأرض بتميد بيا.
لأن الراجل التاني...
كنت أعرفه كويس جدًا.
وكان بيزور بيتنا من سنين...
وبابا كان بيناديه طول عمره
يا عم حسن...
يتبع...
الفصل الأخير
فضلت أبص للصورة...
وأبص للراجل اللي واقف جنب فؤاد الشرقاوي.
كل ملامحه كانت مألوفة.
مش مجرد معرفة...
ده راجل دخل بيتنا مئات المرات.
كان بيضحك مع أبويا.
وبيشرب معاه الشاي.
ولما أمي كانت عايشة، كان أول واحد يجي يعزي بعد وفاتها.
عم حسن.
بصيت لأبويا.
لقيته ساكت.
ملامحه اتغيرت.
لكن ملامح الصدمة ماكنتش موجودة.
كانت ملامح حزن.
قال بهدوء
أنا كنت مستني اليوم ده.
بصيتله بعدم تصديق.
إنت كنت عارف؟
هز راسه بالنفي.
كنت شاكك... لكن عمري ما تمنيت إن شكي يطلع صح.
...
العم سيد طلب من وكيل النيابة يجيب عم حسن للتحقيق.
وفي نفس الليلة...
الشرطة راحت بيته.
لكن...
كان اختفى.
ساب البيت مفتوح.
وموبايله مقفول.
وكأن حد بلغّه قبل ما يوصلوله.
...
بعد يومين...
وصل بلاغ.
حد شاف عربية عم حسن واقفة قدام استراحة قديمة على طريق الصحراوي.
الشرطة اتحركت فورًا.
أنا وأبويا والعم سيد وقفنا بعيد.
ماكانش مسموح لينا ندخل.
بعد نص ساعة...
طلعوا بعم حسن.
كان قاعد لوحده.
ولا حاول يجري.
ولا قاوم.
بالعكس...
كان باين عليه إنه مستنيهم.
...
في التحقيق...
أنكر كل حاجة.
قال إنه مجرد صاحب لأبويا.
وإن الصورة قديمة.
لكن لما واجهوه بالتحويلات البنكية...
وبالتسجيلات...
وبشهادة الموظف...
ابتدى يتكلم.
قال
أنا ما كنتش بنصب.
أنا كنت بختار الناس بس.
سأله وكيل النيابة
يعني إيه؟
رد بمنتهى البرود
أي عيلة فيها راجل كبير... وبنت وحيدة... وشقة أو أرض... كنت أعرفهم على أحمد.
حسيت إن نفسي اتقطع.
يعني...
كل السنين دي...
كان داخل بيتنا وهو مخطط يدمره.
...
قال كمان إنه أول مرة شافني كان عندي سبعتاشر سنة.
ومن ساعتها...
رشحني لأحمد.
لأن أبويا كان معروف إنه راجل شريف، وعنده شقة باسمه.
وأنا كنت بنته الوحيدة.
أبويا ساعتها ماقدرش يكمل سماع.
خرج برة الأوضة.
وأنا جريت وراه.
لقيته واقف في طرقة النيابة...
وساند على الحيطة.
أول مرة أشوف دموعه.
قال بصوت مكسور
أنا اللي دخلته بيتنا.
حضنته.
وقلتله
إنت الضحية يا بابا... مش السبب.
...
بعد شهور من التحقيقات...
القضية اتحولت للمحكمة.
المرة دي...
ماكانتش قضية أحمد لوحده.
كانت قضية شبكة كاملة.
فؤاد الشرقاوي...
عم حسن...
أحمد...
وأكتر من شخص كان بيساعدهم في التزوير.
استمرت الجلسات شهور.
كل جلسة...
كان يظهر ضحية جديدة.
أرملة.
مدرس على المعاش.
صاحب ورشة.
ست كبيرة في السن.
كلهم...
وقعوا بنفس الطريقة.
...
وفي آخر جلسة...
القاضي وقف وقال
بعد الاطلاع على الأدلة، والتسجيلات، والتحويلات البنكية، وشهادات الشهود...
وسكت لحظة.
القاعة كلها كانت ساكتة.
وبعدين نطق بالحكم.
أحمد...
وعم حسن...
وفؤاد...
وباقي أفراد الشبكة...
صدرت ضدهم أحكام بالسجن المشدد.
وأمرت المحكمة بمصادرة الأموال اللي ثبت إنها جاية من جرائم النصب.
وكمان...
إعادة أي ممتلكات قدروا يثبتوا أصحابها الحقيقيين.
...
وأول ما القاضي أنهى كلامه...
بصيت ناحية أحمد.
لقيته أول مرة...
خايف.
مش متكبر.
ولا واثق.
ولا بيبتسم.
مجرد راجل...
خسر كل حاجة بسبب طمعه.
خرج من القاعة وسط الحراسة.
ولأول مرة...
ماحاولش يبصلي.
يمكن لأنه عرف...
إنه انتهى.
...
بعد الحكم بشهر...
رجعت أنا وأبويا البيت.
فتح باب الشقة.
دخل بهدوء.
وقف قدام ترابيزة السفرة.
نفس الترابيزة...
اللي استخبيت تحتها.
عدّى بإيده على الخشب.
وقال
فاكرة الليلة دي؟
ابتسمت.
وقلت
مستحيل أنساها.
رد
الترابيزة دي أنقذت حياتنا.
ضحكت.
وقلت
لا...
اللي أنقذنا إنك ما استسلمتش.
...
قررنا نغير حاجات كتير في البيت.
دهنّا الحيطان.
غيرنا الستاير.
اشترينا سفرة جديدة.
لكن...
لما جه النجار يشيل الترابيزة القديمة...
أبويا وقف.
وقال
سيبها.
استغرب.
قال
دي قديمة.
أبويا ابتسم.
وقال
يمكن...
بس
شاهدة على عمر كامل.
فضلت مكانها.
زي ما هي.
...
أما المكتب بتاعي...
فابتدى يكبر.
كل أسبوع...
كان يجيلنا حد جديد.
حد محتاج يساعده.
حد اتضحك عليه.
حد خايف.
وكنت كل مرة أفتكر نفسي.
وأقول للناس
اقروا أي ورقة قبل ما تمضوا.
اسألوا.
وما تخافوش تشكوا لو في حاجة مش مريحة.
...
وفي يوم...
دخل المكتب شاب صغير.
قال
أنا جاي أشكر حضرتك.
استغربت.
قال إن جده كان هيوقع على توكيل عام.
لكن بعد ما شاف حلقة تلفزيونية اتكلموا فيها عن قضيتنا...
رفض يمضي.
وبالتالي...
أنقذ بيته.
ابتسمت.
وحسيت لأول مرة...
إن اللي مرينا بيه...
مكنش كله وجع.
كان سبب إن ناس تانية تنجو.
...
عدت سنة كاملة.
في عيد ميلاد أبويا...
عملتله مفاجأة.
جمعت كل الناس اللي وقفوا جنبنا.
العم سيد.
هبة.
عم شوقي.
وحتى الست الكبيرة اللي كانت أول واحدة جابتلنا ملف جديد.
قعدنا حوالين نفس الترابيزة.
وأبويا بص لينا كلنا.
وقال
زمان كنت فاكر إن البيت بيتبني بالطوب.
دلوقتي عرفت...
إن البيت بيتبني بالناس اللي تحميه.
...
وأنا راجعة أوصل الضيوف...
لقيت بنت صغيرة، يمكن عندها عشر سنين، واقفة قدام المكتب.
قالتلي
هو إنتي الأستاذة منى؟
ابتسمت.
وقلت
أيوه.
قالت
ماما قالتلي أشكرك.
عشان إنتي رجعتلها أرض جدي.
انحنيت قدامها.
وقالت وهي ماشية
أنا لما أكبر...
عايزة أبقى زيك.
فضلت واقفة أبص عليها لحد ما اختفت.
وساعتها...
افتكرت نفسي من سنين.
البنت اللي كانت فاكرة إن الحب معناه إنها تسكت.
وإن الثقة معناها إنها ما تسألش.
لكن الحياة علمتني حاجة واحدة...
الحب الحقيقي عمره ما يطلب منك تتنازلي عن كرامتك... والثقة الحقيقية عمرها ما تخاف من السؤال.
رجعت البيت.
دخلت المطبخ.
لقيت أبويا بيحضر الشاي.
ضحك أول ما شافني.
وقال
هتشربي؟
ضحكت وأنا بقعد قدامه.
وقلت
أكيد.
ناولني الكوباية.
ورفع كوبايته هو كمان.
وقال بابتسامة هادية
المرة دي...
من غير خوف.
بصيت حواليّا.
للبيت.
للترابيزة.
للصور القديمة.
وحسيت إن كل حاجة رجعت لمكانها.
يمكن الجروح عمرها ما بتختفي تمامًا...
لكن بتتعلم تعيش بيها.
وأوقات...
بتبقى هي السبب اللي يخليك أقوى.
في الليلة دي...
شربنا الشاي في هدوء.
ولأول مرة من سنين...
كان الصمت مش مليان خوف.
كان مليان سلام.
تمت.