خدامة في بيت عائلة جوزي ج 2 حكـايات مني السيد
المحتويات
يا أحمد. قلتها وأنا بطبق بلوزة وبحطها في الشنطة بكل هدوء. هروح أقعد في شقة بابا القديمة. الشقة فاضية ومحتاجة ترويق، بس على الأقل هناك محدش هيطلب مني أطبخ ل 20 بني آدم في يومين.
سعاد، استهدي بالله! قَرّب وحاول يمسك إيدي، بس أنا زقيت إيده ببطء وبدون قسوة. أنا هادية جداً يا أحمد. أهدى من أي وقت فات. الشنطة دي مش حردانة، ولا حركة عشان أضغط عليك. الشنطة دي بداية فترة التفكير. أنت محتاج تقعد مع نفسك وتعرف أنت عايز إيه... عايز زوجة وشريكة حياة ليها كرامة وحق، ولا عايز خادمة ترضي بيها أمك وصحابك. ولحد ما تاخد قرارك، أنا مش هكون موجودة في البيت ده.
قفلت سوستة الشنطة. مسكت الدراع بتاعها، وبصيت للأوضة بصة أخيرة. الأوضة اللي قضيت فيها 12 سنة من عمري، كانت ريحتها معطرات وورد، بس كان مخنوق جواها صوتي وإحساسي بذاتي.
أحمد كان واقف في الممر زي التقال، مش قادر يمد إيده ويوقفني، وفي نفس الوقت مش قادر يقولي امشي. كان عاجز تماماً بين نفوذ أمه اللي بيطارده في التليفون، وبين الحقيقة اللي صدمته بيها مراته.
نزلت من الشقة الساعة اتنين بعد نص الليل. الشارع كان ساكت، والهوا الساقع خبط في وشي أول ما خرجت من بوابة العمارة. أخدت نفس عميق... نفس طويل املى بيه ريتي اللي كانت مخنوقة من ريحة الصلصة والتوابل والمواعين. طلبت عربية من الموبايل، وقعدت ورا وأنا بصة على شباك شقتنا اللي كان نوره لسه مولع.
الأيام الأولى في شقة بابا الله يرحمه كانت غريبة. الشقة كانت مقفولة بقالها فترة، التراب مغطي العفش، بس كانت فيها ريحة طفولتي، ريحة الأمان اللي افتقدته من زمان.
أول يومين
ما عملتش حاجة غير إني نمت. نمت نوم عميق، من غير ما أصحى مرعوبة من ساعة المنبه، ومن غير ما أفكر يا ترى هطبخ إيه النهارده، ولا غسيل إيه اللي عايز يتنشر. جسمي كان بيحاول يعوض مجهود سنين من التعب الجسدي والنفسي.
في شغلانة حصر الكميات، كنت بروح مكتبي في الشركة بصورة طبيعية. زمايلي لاحظوا إن وشي بقى أهدى، وإن الهالات السودة اللي كانت تحت عيني بدأت تخف. محدش كان عارف حاجة، وأنا ما كنتش بحب أحكي تفاصيل حياتي الشخصية لحد.
لكن تليفوني ما بطلش يرن. أحمد كان بيتصل في اليوم عشرات المرات. ما كنتش برد. كنت بكتفي بإن أبعتله رسالة واضحة أنا محتاجة وقت، ولما تكون جاهز تتكلم بجد مش تحت تأثير كلام حد، أبقى كلمني.
أمه، الحجة فاطمة، حاولت تتصل بأختي الكبيرة سناء. سناء جالي البيت ثالث يوم، وكانت محتارة بين إنها تلومني ولا تقف جنبي.
قعدت سناء على الكنبة في الصالة، وبصتلي باستغراب يا سعاد، يعني عشان عزومة تسيب بيتك؟ الحجة فاطمة مكلماني وبتقولي اختك قتلت فرحة ابني بعيد ميلاده وجرسته قدام أصحابه!
بصيت لسناء وقلت بابتسامة مريرة يا سناء، أنتِ اختي... أنتِ عارفة أنا شغالة إيه؟ أنا مهندسة، بقضي 8 ساعات في الشغل وسط الشمس والأرقام، وبرجع البيت أبدأ شفت تاني 8 ساعات في المطبخ. أحمد في ال 12 سنة دول عمل كم عزومة؟ مية عزومة! تعرفي يعني إيه مية عزومة؟ يعني مية ليلة قهر، ومية يوم تنظيف، وهو مابيدفعش حتى كلمة شكر. القضية مش العزومة، القضية إن أحمد مش شايفني بني آدمة بتتعب.
سناء سكتت شوية، ملامح وشها لانت، وقالت بصوت هادي طب وهتعملي إيه؟ أحمد مكسور يا سعاد. بيكلمني وهو حاسس إن بيته انخرب.
أحمد مش مكسور يا سناء، أحمد مصدوم لأن السجادة اتسحبت من تحت رجله. هو كان متعود إن التضحية دي فرضه عليا، ولما رفضت، اكتشف إنه مش عارف يدير حياته لوحده. خليه يتعلم، وخليه يعرف قيمة اللي كان في إيده.
مر أسبوع كامل. في خلال الأسبوع ده، أحمد جرب يعيش لوحده في البيت الكبير. البيت اللي كان دايماً نضيف، ومترتب، وريحته أكل سخن.
عرفت من جارتنا أم علي إن أحمد بقى ينزل كل يوم الصبح ياكل في الشارع، ويجع بالليل يشيل أكياس ديلفري. العمارة كلها كانت ملاحظة إن شقته مطفية ومفيهاش حركة. المواعين اللي سابها ليلة العزومة، اضطر يغسلها بنفسه بعد يومين لما الدهون نشفت وتجمعت عليها الحشرات، وعرف ساعتها يعني إيه المواعيين هتنشف والشغل هيبقى أصعب مرتين اللي كنت دايماً بقولها له.
وفي يوم الجمعة، بعد أسبوع من مشيتي، سمعت خبط على باب شقة بابا. فتحت الباب، ولقيت أحمد واقف.
ش كله كان متغير. خس شوية، دقنه كانت طالعة ومش حالقها، وعيونه كان فيها إرهاق شديد. ما كانش لابس القميص المكوي المظبوط، كان لابس ترينج بسيط وواقف بقلة حيلة.
ممكن أدخل يا سعاد؟ قالها بصوت واطي جداً، خالي من أي كبرياء أو غضب.
وسعت له الطريق وسكت. دخل الصالة وبص حواليه، قعد على الكرسي وحط إيديه على ركبه.
البيت ضلمة من غيرك يا سعاد... بدأ كلامه وهو باصص للأرض. البيت كبير أوي وفاضي. المطبخ... أنا دخلت المطبخ تاني يوم، وما كنتش عارف الحاجات فين. غسلت الأطباق اللي كانت فاضلة، ويدي اتجرحت من صينية البايركس وهي بتتغسل. ضهري كان بيموتني بعد نص ساعة وقفة بس.
ما ردتش عليه، فضلت ساكتة ومستنية يكمل.
رفع عينه ليا وقال بنبرة
صادقة أنا أول
متابعة القراءة