يافطة من سراب ج 1 حكـايات مني السيد

لمحة نيوز

قعدت على الرصيف، حرفيًا رجليا مالتشالتنيش، دموعي نزلت مغرقة وشي بس من غير صوت.. الوجع كان أكبر من الصريخ. فتحت الظرف تاني وبصيت للورقة بقلب محروق.. "عقد بيع وشراء الأرض المقامة عليها العمارة والمحل، وموثق في الشهر العقاري باسمي أنا.. ورثي من أبويا اللي عاصم مايعرفش عنه حاجة، واللي كنت شايلاه للزمن."
المحل مبني على أرضي.. العمارة كلها ملكي.. التوكيل اللي معاه يخليه يتصرف في السجل التجاري والاسم، لكن الأرض والحيطان دي بتاعتي، وبكلمة مني اهد المعبد كله على دماغهم.. بس دلوقتي؟ الأرض اتهدت تحت رجليا أنا.
رنيت على تليفون البيت.. الموبايل بيفضل يرن ومحدش بيرد.. مرة.. اتنين.. تلاتة.. وفي المرة الرابعة، الخط فتح، وجالي صوت الشغالة وهي بتعيط وتشهق:
* "الحقيني يا مدام.. الحقيني.. كنت في المطبخ بجهز الفطار، وسمعت صوت رزع باب الشقة، طلعت جري ملقتش سليم.. وباب الشقة مفتوح على البحري.. وسليم مش في أوضته!"
قفلت معاها وأنا حاسة إن روحي بتتسحب.. عاصم؟ هل عاصم هو اللي عمل كده؟ هل طمعه وصل بيه إنه يخطف ابنه عشان يلوى دراعي ومطالبش بحقي؟ ولا الست الشيك اللي واقفة جوه بابتسامتها السامة هي اللي مرتبة كل حاجة عشان تضمن إني مأرفعش راسي تاني؟
قمت وقفت، نفضت تراب الرصيف من على هدومي، والكسرة اللي كانت في عيني من دقيقتين اتقبلت لشرار.. الأم لما ابنها يتأذي مابتشوفش قدامها، وميبقاش عندها حاجة تخاف عليها.
دخلت المحل تاني.. المرة دي مدخلتش مكسورة ولا عيني في الأرض.. دخلت والباب اترزع ورايا بقوة خلت الموظفين كلهم يتنفضوا من مكانهم. عاصم كان واقف لسه بيضحك مع مراته الجديدة، وأمه قاعدة على الكرسي الهزاز بتاعي وبتشرب قهوة.
أول ما شافوني، عاصم قطب حواجبه وقال بنبرة تزهق:
* "إنتِ رجعتي تاني ليه؟ مش الأمن خرجك؟ ما تخليش شكلنا بـخف قـدام الناس بقـى، قولتلك مالكيش أكل عيش هنا!"
مشيت خطوتين لحد ما بقيت في وشه.. الست الجديدة رجعت خطوة لورا وخوف مفاجئ ظهر في عينيها.. رفعت إيدي ونزلت بكف خماسي على وش عاصم، الصوت سمّع في المحل كله.. القلم كان قوي لدرجة إن راسه لفت، والموظفين كتموا نفسهم من الصدمة.
أمه صرخت وقامت واقفة:
* "يا نهار مش فايت! تمدي إيدك على ابني يا جربوعة يا بتاعة العجين؟"
زعقت بصوت زلزل المكان، صوت عمري ما طلع مني قبل كده:
* "ابنك فين يا عاصم؟ سليم فين؟"
عاصم حط إيده على خده، وعينيه كانت بتطلع نار من الغل والكسرة قدام الناس، وقال وهو بيجز على سنانه:
* "سليم؟ وأنا إيش عرفني بزفت؟ هو مش معاكي في البيت؟"
* "ماتعملش الشويتين دول عليا! سليم اتخطف من البيت من نص ساعة.. تليفون جالي بيقولي لو عايزة ابنك تسكتي.. مين اللي عمل كده؟ إنت؟ ولا الست هانم اللي جنبك عشان تضمنوا إني مأطالبش بالمحل؟"
عاصم بص لمراته الجديدة بذهول حقيقي.. اللحظة دي بالذات، الخوف اللي شوفتُه في عين عاصم خلاني أتأكد.. عاصم ندل، وحرامي، وطماع، وممكن يبيعني في ثانية.. بس عاصم بيحب ابنه، وعمره ما يعمل فيه كده، ولا يخليه لعبة في قذارته.
الست الجديدة، اللي اسمها كان مكتوب على اليافطة برة، بلعت ريقها وقالت بصوت متوتر وهي بتبعد عن عاصم:
* "أنا.. أنا ماليش دعوة بالكلام ده.. خطف إيه وعيال إيه؟ إحنا أخدنا المحل بالقانون والتوكيلات اللي معاك يا عاصم.. أنا مدخلش نفسي في مصايب خطف وقضايا!"
حماتي بصتلي وقالت بشك:
* "بتتبلي على ابني يا منى؟ عايزة تعملي حكاية عشان تلمي الناس وتعملي شوشرة؟"
مسكت تليفوني، وفتحت قايمة الرسائل.. في نفس اللحظة، وصلت رسالة من نفس الرقم المخفي.. عنوان لوكيشن في منطقة مقطوعة ورا المدافن، وتحتها جملة: "الساعة بتجري يا منى.. فاضل ساعة ونص.. لو لوحدك، هتمشي بابنك.. لو معاكي نفس زيادة، استوضحي فيه ربنا."
وريت الشاشة لعاصم.. أول ما قرا الكلام، وشه بقا أصفر زي الليمونة، وجسمه اتنفض.. بصلي وقال بصوت مرعوب:
* "ده.. ده بجد؟ سليم ضاع يا منى؟"
ضحكت بوجع وكسرة:
* "دلوقتي بقيت منى؟ دلوقتي سليم ضاع؟ وإنت بتسرقني وبتغير اليافطة وبتطردني برة شقايا وعمري، ما فكرتش في ابنك؟ ما فكرتش إن ربنا كبير ومش هيسيبني؟"
سبتهم وطلعت جري.. عاصم حاول يحصلني وهو بيزعق: "منى استني! هاجي معاكي.. ده ابني!"
لفيت وشي ليه وقولتله وأنا بركب عربيتي:
* "لو خطيت خطوة ورايا، هقتلك يا عاصم.. الراجل قالي لو حد جيه معايا هيموت الولد.. خليك هنا مع مرتك الجديدة والمحل اللي سرقته.. المحل اللي إنت فرحان بيه ده، ههده فوق دماغكم.. بس ارجع بابني الأول."
طيرت بالعربية.. أقسم بالله ما كنت شايفة الطريق، الدموع كانت مغمية عيني، وضربات قلبي كانت مسموعة في ودني زي الطبول.. "يارب.. يارب مليش غيره.. يارب احميه.. أنا شقيت وتعبت وعمري ما أذيت حد.. يارب ما تحرقش قلبي على ضنايا."
وصلت للمنطقة اللي في اللوكيشن بعد ساعة إلا ربع من السواقة الجنونية.. المكان كان عبارة عن أرض فضاء، عمارات تحت الإنشاء، طوب أحمر وخرسانات، ومفيش فيها صريخ ابن يومين.. الهوا كان شديد وبيطير التراب، والشمس حامية تحرق الوش.
نزلت من العربية، ورجليا كانت بتغرز في الرمل.. كنت ماسكة الشنطة في إيدي، وجواها الظرف الأبيض.. كنت مستعدة أمضي على تنازل عن الأرض، عن المحل، عن حياتي كلها، بس أشوف سليم.
مشيت بين الحيطان المهجورة وأنا بنده بصوت مبحوح:
* "سليم!.. سليم.. أنا جيت.. يا اللي هنا.. أنا جيت لوحدي!"
محدش رد.. الهوا بس هو اللي كان بيصفر في الفراغ. وفجأة، سمعت صوت كحة مكتومة جاية من جوة أوضة مقفولة بباب خشب قديم ومكسور في العمارة اللي تحت الإنشاء.
جريت على الأوضة.. زقيت الباب برجلي وأنا بصرخ: "سليم!"
جوه الأوضة، كان سليم قاعد على كرسي خشب، إيديه ورجليه مربوطين بحبل غليظ، وعلى بقه بلاستر أسود.. عينيه كانت حمرا ومنفوخة من العياط، وأول ما شافني، بدأ يتحرك بهستيرية ويطلع أصوات مكتومة من ورا البلاستر وهو بيبكي.
جريت عليه.. وقعت على ركبي قدامه وأنا بفك البلاستر من على بقه براحة وببكي معاه:
* "حبيب قلبي.. يا روحي.. متخافش يا سليم.. ماما هنا.. ماما معاك يا حبيبي."
أول ما البلاستر اتفك، سليم صرخ وهو بيترعش:
* "ماما! خليهم يمشوا يا ماما.. الراجل ده وحش قوي.. قالي إنه هيقتلك لو صرخت!"
* "محدش هيقدر يعملنا حاجة يا قلب ماما.. هفكك حالا ونمشي."
بدأت أفك الحبال اللي على إيديه بسرعة وضوافري بتتكسر من كتر الشد.. وفي اللحظة اللي الحبل فك فيها وسليم اترمى في حضني وهو بيعيط وبيتنفض، سمعت صوت قفلة باب ورايا.. وصوت خطوات تقيلة بتقرب.
حضنت سليم أكتير، ولفيت وشي وأنا بترعش عشان أشوف مين اللي واقف ورايا.
الراجل كان طويل، لابس كاب مغطي وشه، وفي إيده عصا خشبية غليظة.. رفع راسه شوية، وبصلي بابتسامة صفرا خلت الدم يتجمد في عروقي للمرة التانية في اليوم ده.
مستحيل.. الشخص ده بالذات ملوش أي علاقة بعاصم.. ولا بالمحل.. ده شخص من الماضي.. ماضي كنت فاكرة إني قفلته ودفنته من سبع سنين، وفديت نفسي وقتها بكل ما أملك عشان أخلص من شره.
وقف قدامي، خبط العصاية في الأرض وقال بنبرة مليانة شماتة وغل:
* "عاش من شافك يا ست منى.. فاكرة إنك لما تهربي، وتغيري حياتك، وتعملي فيها سيدة أعمال ناجحة وصاحبة محلات، إن الماضي بيتنسى؟.. الحساب قديم يا منى.. والنهاردة جه وقت السداد.. كاش، ومن غير قسط."
بصيتله وأنا مش قادرة أنطق.. الصدمة لجمت لساني.. الكارثة مكنتش عاصم ولا المحل.. الكارثة الحقيقية كانت لسه بتبدأ حالا، وحياة ابني وحياتي بقوا على كف عفريت ووو.....!!!
**تابعونا في الفصل الثالث لمعرفة سر الماضي الذي يطارد منى، وكيف ستنقذ ابنها من هذه الورطة الجحيمية! #حكـايات_منـي_السيـد**
 

تم نسخ الرابط