يافطة من سراب ج 1 حكـايات مني السيد

لمحة نيوز

رجـعت المحـل الساعـة 9 الصبـح بعد ما خلصـت توصـيل آخـر أوردر... أول حاجة لفتـت نـظري إن الـيافطة اتغيـرت.
اسمـي اختفـى...وظـهر مكانـه اسـم واحـدة عمـري ما شفـتها قـبل كده، وقفـت في نـص الرصيـف، وبصيـت أكتـر من مـرة، يمـكن أكـون غلطـانة.
لكن لأ...الاسم كان واضح، واللون جديد، وحتى اللوجو اللي كنت عاملاه بإيدي اتشال، واتحط مكانه شعار مختلف.
#حصري_بقلـم_منـي_السيـد
قلبي اتقبض، دخلت بسرعة...الموظفين أول ما شافوني سكتوا، ولا واحد فيهم قال صباح الخير، ولا حتى رفع عينه يبصلي... حصري على صفحة روايات و اقتباسات....
المكان اللي كنت بعتبره بيتي بقى غريب في لحظة، وصلت للكاشير...لقيت جوزي واقف مبتسم، ولابس قميص جديد عمره ما لبسه معايا.

وبجانبه ست في أول التلاتينات، لابسة بدلة شيك، وفي إيدها مفاتيح المحل...أول ما شافتني، ابتسمت بثقة كأنها صاحبة المكان من سنين...بصلي جوزي وقال قدام الموظفين والزباين: عرفيهم بنفسك.

ابتسمت الست وقالت بهدوء: أنا مراته... ومن النهارده أنا اللي هكون مسؤولة عن المحل.

افتكرت إني سمعت غلط...بصيتله وأنا مش مستوعبة
قلت: مـراتك؟!
رد بمنتهى البرود: اتجـوزتها من شهرين.

الكلمة نزلت على قلبي كأنها حجر....من شهرين؟
يعني وأنا بسهر في المحل لحد نص الليل، وأرجع ألاقيه نايم، كان بيروح يبني حياة تانية، وأنا بجري بين الموردين، كان بيجري بين المأذون والشهود، وأنا بحوش كل جنيه عشان نفتح فرع جديد، كان بيصرفه على جوازة مستخبي فيها.

لسه الصدمة ما خلصتش، كمل كلامه وكأنه بيقرأ خبر عادي.
ومن النهارده المحل بقى باسمها... وإنتِ مالكيش أي صفة هنا.

ضحكت...غصب عني...الضحكة كانت طالعة من وجع أكبر من قدرتي على البكا ، قلت: إنت بتهزر؟

رمى قدامي ملف بني وقال افتحيه.
فتحت الملف...نسخ من أوراق، وعقود، وسجل تجاري، وتوكيلات...كل حاجة قدامي كانت بتقول إن اسمي اختفى.
إزاي؟ ...المحل ده أنا اللي بدأته من أوضة صغيرة في شقتنا.

كنت بعجن بإيديا، وأبيع للجران، وبعدها بقيت أوصل الطلبات بنفسي...أول ثلاجة اشتريتها كانت من دهبي.
أول فرن جبته كان بعد ما اشتغلت سنة كاملة من غير يوم راحة...حتى الإيجار أول سنتين كنت أنا اللي بدفعه.
هو عمره ما دفع جنيه واحد...كان كل مرة يقول:
- أول ما ظروفي تتحسن هقف جنبك.

لكن ظروفه ما اتحسنتش أبدًا...اللي اتحسن هو حسابه في البنك، واللي كبر هو طمعه... حصري على صفحة روايات و اقتباسات....رفعت عيني فيه و قلت: إنت سرقت تعبي.

ابتسم وقال: لا... أخدت حقي.

حماتي خرجت من المكتب الداخلي، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي و قالت وهي بتبصلي باحتقار: ما تكبريش الموضوع...الراجل حر يتجوز، والمحل أصلًا ابني هو اللي كبره...
بصيتلها ومقدرتش أتكلم...هي نفسها كانت أول واحدة تشوفني وأنا بشتغل لحد الفجر.

كانت تاخد مني الأكل كل يوم وتقول للناس: بنتي هي اللي عاملاه.
دلوقتي بقيت ولا حاجة...الست اللي كانت واقفة جنب جوزي مدت إيدها ناحيتي، وقالت بابتسامة مستفزة:
- مفاتيح المكتب لو سمحتِ.

بصيت للمفاتيح اللي في إيدي...المفاتيح دي معايا من يوم ما استلمت المحل....عمري ما سيبتها...كنت حتى وأنا نايمة بحطها تحت المخدة و قلت بهدوء: مش هسلمها.

جوزي أشار لواحد من أفراد الأمن...كان راجل جديد أول مرة أشوفه و قال: اتفضل... خرّجها بره.

بصلي الراجل بتردد...واضح إنه مش فاهم...لكن في الآخر نفذ اللي اتقاله...وقف قدامي وقال باحترام: من فضلك يا مدام... اتفضلي.

كل الزباين بقوا بيتفرجوا، والموظفين اللي علمتهم الشغل واحد واحد، واقفين ساكتين...ولا واحد نطق...ولا واحد قال إن المحل ده اتبنى بإيدي.
مشيت ناحية الباب، وكل خطوة كانت بتكسر حاجة جوايا.
قبل ما أخرج، سمعت الست الجديدة بتقول بصوت عالي:
- غيروا كل كلمات السر... واقفلوا حساباتها على السيستم.

عرفت وقتها إنهم ما خططوش لسرقة جوز...ولا سرقة محل.
دول كانوا بيخططوا يمسحوا وجودي كله... كأني عمري ما كنت هنا، وقفت قدام باب المحل.

بصيت لليافطة الجديدة مرة أخيرة...ثم فتحت شنطتي أدوّر على مفتاح العربية...بدل المفتاح، لمست ظرفًا أبيض قديمًا كنت محتفظة بيه من سنين.

سحبته وأنا مستغربة، وأول ما فتحت الظرف... اتجمد الدم في عروقي... حصري على صفحة روايات و اقتباسات...
الورقة اللي جواه كانت قادرة تقلب كل اللي حصل رأسًا على عقب...لكن في نفس اللحظة، رن هاتفي.
ولما رديت، سمعت صوت شخص قال جملة واحدة خلتني أعرف إن اللي حصل في المحل... كان مجرد بداية الكارثة ووو.....!!! #حكـايات_منـي_السيـد

**الفصل الثاني**
فضلت واقفة في مكاني، التليفون على ودني، والشارع كله حواليا اتمسح.. مابقتش سامعة صوت العربيات ولا دوشة الناس، الصوت الوحيد اللي كان بيرن في دماغي هو صوت الراجل الغريب اللي على الخط وهو بيقول بجفاء يرعش:
* "لو عايزة تشوفي ابنك سليم تاني، قدامك ساعتين بالظبط.. وتكوني في المكان اللي هبعتهولك، ولو بلغتي حد، اعتبري نفسك بتدفعي تمن موته بإيدك."
الخط قطع. السكة قفلت، ومعاها النفس اتقطع في صدري.
بصيت للشاشة وكأني مستنية التليفون ينطق ويقولي إنها دقة بايخة، أو حد بيحور عليا.. لكن الشاشة اسودت. سليم؟ ابني؟ سليم اللي سيبته نايم في سريره والضحكة على وشه وهو بيقولي: "ما تتأخريش يا ماما، مستنيكي عشان نفطر سوا."
الدنيا لفت بيا، والظرف الأبيض اللي في إيدي اتهز.. الورقة اللي جواه، اللي كانت المفروض تكون طوق النجاة بتاعي، والضربة القاضية لـ "عاصم" وأمه والست اللي جايبها من الشارع، بقت فجأة مالهاش أي قيمة.. إيه قيمة المحل؟ وإيه قيمة الفلوس؟ وإيه قيمة الاسم واليافطة اللي اتغيرت قصاد شعرة واحدة من راس ابني؟

تم نسخ الرابط