كرامـة معروضـة للبيـع ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

كانوا واقفين بينقوا أطباق وكوبايات سكتوا وبقوا يبصوا عليا... نظراتهم كانت حامية، مكسوفة ليّ ومشفقين عليا، وفي نفس الوقت مستغربين.
أستاذ مدحت، صاحب المحل، كان واقف وحاطط إيده في جيبه بكل برود، وكأنه مقالش حاجة غريبة، وكأنه بيطلب مني أجيب دفتر الفواتير مش أطلع أغسل مواعين!
حسيت بدموعي بتتحوش في عيني، بس حلفت مسبهاش تنزل قدام حد. بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت حشرج من كتر الصدمة
أستاذ مدحت... أنا هنا بشتغل في المحل... ببيع وبحاسب الزباين. شغل البيت ده مش بتاعي.
وش أستاذ مدحت اتغير في ثانية، الابتسامة المزيّفة اختفت، وحواجبة اتضموا بغضب وهو بيبصلي من فوق لتحت وقال بصوت واطي بس كله سم
جرى إيه يا سلمى؟ رجليكي شالتك خلاص؟ بقيتي بتعرفي تقولي لاء؟ وإيه شغل البيت مش بتاعك دي؟ إحنا أهل يا بنتي... ولا إنتي نسيتي؟
كلمة نسيتي دي كانت بتدبحني في كل مرة بتتقال. كانت السكينة اللي بيمشوا بيها على رقبتي عشان أوافق على أي حاجة. الزباين بدأوا يوشوشوا، وأنا حسيت إني لو قعدت ثانية واحدة كمان في المكان ده، كرامتي مش هعرف ألمها تاني من على الأرض.
سيبت علبة المعالق اللي كانت في إيدي على المكتب، وأخدت شنتطي من ورا الفاترينة. إيدي كانت بترتعش وأنا بلم حاجتي. بصيتله وقلت وعيني في عينه
لأ منسيتش يا أستاذ مدحت... بس الجميل مش معناه استعباد. أنا ماشية.
خرجت من المحل وأنا بجر رجلي جر، الشارع كله كان بيلف بيا. وسط البلد وزحمتها ودوشتها، كل ده كان بيخبط في دماغي. كنت بمشي وأنا مش شايفة قدامي، الدموع اللي حبستها بدأت تنزل وتغرق وشي. كنت حاسة بقهر... قهر شديد قوي. هو عشان الغلب والفقر، الناس تفتكر إنها امتلكتنا؟ عشان تلاجة وعفش قديم نلغي كرامتنا ونبقى خدامين؟
وصلت البيت وأنا منهارة. دخلت رميت الشنطة، وماما أول ما شافت منظري وعيني المنفوخة من العياط تخضت وجريت عليا
في إيه يا سلمى؟ ماله وشك؟ حصل إيه في الشغل يا بنتي؟
قعدت على الكنبة وأنا بترعش وحكيتلها كل اللي حصل... من أول نظرات الزباين لحد كلمة أستاذ مدحت وطلبه إني أطلع أغسل المواعين، وقولتلها إني سيبت الشغل ومش هعتب المحل ده تاني.
توقعت إن ماما تاخدني في حضنها وتقولي فداكي الشغل وفداكي أي حاجة، لكن لقيتها لطمت على صدرها وقعدت تعيط وتقول
يخرب بيتك يا سلمى! عملتي إيه؟ سيبتي الشغل؟ وقولتيله لاء؟ يا بنتي دول ليهم جمايل مغرقانا! التلاجة اللي شايلة أكلنا، والسرير اللي بنام عليه ده من خيرهم! هتقولي للناس إيه لما يعرفوا إنك طردتي نعمتهم؟ وبعدين المرتب اللي عايشين منه ده هنعوضه منين؟ أبوكي علاجه غالي، وأخوكي مصاريف دراسته مابتخلصش!
كلام ماما كان زي السكاكين بتغرز في قلبي. بصيت للتلاجة الجديدة اللي في الصالة، حسيت فجأة إنها مبقتش جهاز منزلي، دي بقت قفص حديد محبوسين جواه.
يعني إيه يا ماما؟ قلتها بصوت مخنوق من العياط أروح أغسلهم المواعين؟ أكنس الشارع وأمسح السلم عشان التلاجة؟ الكرامة ملهاش تمن عندك؟
ماما عيطت وقالت بضعف وقهر
الكرامة للغلابة اللي زينا يا بنتي بتبقى رفاهية مش قادرين على تمنها... روحي اعتذريله، وبكره المية ترجع لمجاريها.
قفلت على نفسي باب الأوضة، ومقدرتش أنام طول الليل. كلام ماما بيلف في دماغي، وصوت أستاذ مدحت وهو بيذلني قدام الناس بيتعاد في ودني زي الأسطوانة المشروخة. كنت حاسة إني بين نارين... نار كرامتي اللي اتداست، ونار بيتنا اللي محتاج كل جنيه عشان يمشي.
تاني يوم الصبح، مصحيتش في معادي. سيبت الوقت يعدي، وكنت باصة للسقف وبفكر هعمل إيه. على الساعة حداشر الظهر، لقيت تليفوني بيرن. بصيت في الشاشة، لقيت الرقم بتاع المدام... مرات أستاذ مدحت.
قلبي انقبض، بس رديت.
أيوة يا مدام.
صوتها جه حاد وجاف، مفيش فيه النبرة الحنينة اللي كانت بتكلمني بيها زمان
إيه يا سلمى؟ منزلتش الشغل ليه؟ وأستاذ مدحت بيقول إنك اتعصبتي عليه امبارح ومشيتي؟ جرى إيه يا بنتي، إحنا قصرنا معاكي في حاجة؟ ده إحنا شيلناكي وشيلنا بيتك لما كنتوا مش لاقيين تاكلوا!
نفس الكلام... نفس الذل.
قلت بصوت حاولت أخليه قوي
يا مدام أنا بشكركم على وقفتكم جمبنا، بس أستاذ مدحت طلب مني أغسل المواعين قدام الزباين، وده مش شغلي.
ضحكت بتهكم وقالت
وفيها إيه؟ يعني إحنا لما نطلب منك مساعدة بسيطة في البيت يبقى عيب؟ ده إنتي زي بنتنا، والعشم بينا كبير... على العموم، أستاذ مدحت بيقولك لو منزلتش الشغل انهارده واعتذرتيله، اعتبري نفسك مطرودة، والمبلغ اللي دفعناه في التلاجة والمساعدة اللي فاتت دي كلها، هتبقى دين عليكي ولازم تسدديها، وإلا بقى هضطر أكلم قرايبي ييجوا ياخدوا العفش بتاعهم لأنهم أولى بيه!
الخط قطع. قعدت على السرير وأنا مذهولة. دين؟ وعايزين ياخدوا العفش؟ يعني الموضوع مكنش لله ولا مساعدة، ده كان فخ وإحنا وقعنا فيه بكامل إرادتنا.
نزلت الصالة، لقيت ماما واقفه ووشها أصفر، باين عليها سمعت مكالمتي. بصتلي بقلة حيلة وقالت
شوفتي؟ شوفتي آخرة العند؟ هنجيب منين فلوس التلاجة لو طالبونا بيها؟ والعفش لو خدوه هنقعد على الأرض؟ غطي على قش الحلة يا سلمى، وانزلي اعتذري وخلي الأيام تعدي.
حسيت بطاقة غضب مكنتش اعرف إنها جوايا. قولت لأ... مش هسكت، ومش هبقى ضحية لجميل
تم نسخ الرابط