ثـمن العيـش والمـلح ج 2 حكايات مني السيد
نزل حمايا، وأنا لبست طقم فورمال أنيق، حطيت ميك اب خفيف عشان أداري أثر الزرقان البسيط اللي تحت شفتي، وأخدت الدوسيه الأسود ونزلت على مكتب المحامي في المهندسين.
الأستاذ فريد استقبلني بترحيب كبير، وقعدنا راجعنا الورق.. عينه لمعت وهو بيقرأ الأرقام:
ـ يا بشمهندسة مروة.. ده مش مجرد اختلاس.. ده تنظيم عصابي صغير.. أحمد مكنش بيعمل كده لوحده، أكيد في حد معاه في الحسابات أو المخازن بيسهل له الفواتير دي ويختمها.
ـ طبعاً يا متر.. وده اللي أنا هكتشفه بكره لما أنزل الشركة.. أنا مش هقدم البلاغ دلوقتي.. أنا هروح بكره الفرع بتاعه بصفتي مديرة الرقابة المالية الإقليمية.. هعمل لجنة تفتيش مفاجئة على فرع الصيانة.. وعايزة أحمد يشوفني وأنا داخلة من باب الشركة والكل بيضرب لي تعظيم سلام، وهو قاعد على مكتبه مستني مصيره.
الأستاذ فريد ابتسم وقال:
ـ إنتي مدرسة في التخطيط يا مروة.. كده إحنا هنرفع دعوى الخلع بكره، ونثبت حالة الاعتداء بالتقرير الطبي اللي معاكي.. وبالنسبة للعربية، التوكيل اتلغى رسمي من دقيقة واحدة، والجواب هيروح للمرور وللشركة عشان يتسحب منه حق القيادة لو العربية تابعة لأي جهة، بس بما إنها باسمك، فإحنا هنبعت له إنذار رسمي بتسليم العربية في خلال 24 ساعة وإلا هتبقى سرقة.
ـ تمام جداً يا متر.. سيب لي بقى موضوع الشغل ده، أنا هربيه بطريقتي.
يوم الأحد الصبح.. الساعة 9 بالدقيقة.
وصلت مقر شركة الأدوية والخدمات الطبية في القاهرة الجديدة.. نزلت من عربيتي بكامل أناقتي.. الموظفين في الاستقبال وقفوا باحترام: "أهلاً يا فندم.. خطوة عزيزة يا بشمهندسة مروة."
ـ أهلاً بيكم.. اطلبوا لي مدير فرع الصيانة البشمهندس طارق، وقولوا له إني عازمة نفسي عنده في المكتب حالا ومعايا فريق التفتيش المالي بالكامل.
طلعت الدور الرابع.. وأنا ماشية في الممر، عيني جت على مكتب أحمد.. كان قاعد، وشه أصفر، وتحت عينه هالات سودا باين إنه مانامش بقاله يومين.. كان ماسك ورقة وقلم وبيحسب حسابات، غالباً بيشوف هيجيب منين تمن قسط كريم أو فواتير أمه.
أول ما شافني.. وقف من على الكرسي ومشي خطوتين ناحيتي وصوته بيرتعش:
ـ مروة.. إنتي جيتي؟ أرجوكي اسمعيني..
مشيت من جنبه وكأنه هوا.. مابصيتش له حتى.. دخلت مكتب البشمهندس طارق مدير الفرع اللي استقبلني بذهول وخوف، لإن نزول المديرة المالية بنفسها معناه إن في كارثة في الحسابات.
ـ أهلاً يا فندم.. خير يا بشمهندسة؟ في حاجة مش مظبوطة في ميزانية الفرع؟
قعدت على الكرسي الجلدي الكبير، وحطيت الدوسيه الأسود على مكتبه:
ـ أهلاً يا باشمهندس طارق.. في جرد مفاجئ على فواتير المشتريات وقطع الغيار الخاصة بقسم الصيانة عن السنتين اللي فاتوا.. وعايزة كل الدفاتر تطلع حالا.. وعايزة البشمهندس أحمد عبد الحميد يدخل هنا حالا ومعاه لابتوب الشغل بتاعه.
طارق وشه جاب ألوان، وضغط على زرار الإنتركم:
ـ ابعت لي البشمهندس أحمد فوراً للمكتب.
بعد دقيقتين، الباب اتفتح ودخل أحمد.. كان بيبص لي بنظرات كلها رجاء وتوسل، وكأنه بيقول لي بلاش تفضحيني قدام مديري..
قعدت بكل برود، وبصيت لطارق وقلت:
ـ باشمهندس طارق.. في فواتير خرجت من الفرع هنا لشركة اسمها "الأمل للتوريدات الطبية".. إجمالي الفواتير دي 450 ألف جنيه في السنتين اللي فاتوا.. لما راجعنا السجل التجاري للشركة دي، اكتشفنا إنها شركة وهمية مفيش لها وجود على أرض الواقع.. ومين اللي ماضي على استلام قطع الغيار دي وفواتير الصرف؟ البشمهندس أحمد.
طارق اتصدم وبص لأحمد بغضب:
ـ إيه الكلام ده يا أحمد؟ الكلام ده صحيح؟ إنت بتتعامل مع شركات وهمية من ورايا؟
أحمد كان هيقع من طوله.. ليرقانه بان، وبدأ يتلعثم:
ـ يا فندم.. والله.. دي غلطة.. أنا كنت.. كنت فاكر إن الشركة مسجلة.. أنا مكنتش أعرف..
قاطعته بصوت حاد وقوي هز الأوضة:
ـ مكنتش تعرف إيه يا بشمهندس؟ مكنتش تعرف إن التوقيع التاني اللي على الفواتير هو توقيع محاسب الموقع اللي استقال من 6 شهور؟ وإنت كنت بتزور إمضاه بعد ما مشي عشان تكمل السحب النقدي؟
التفتّ لمدير الفرع وقلت له بثبات:
ـ باشمهندس طارق.. بحكم سلطتي الماليّة، أحمد عبد الحميد موقوف عن العمل من دقيقة واحدة.. وهيتم التحفظ على لابتوب الشغل بتاعه.. وهيتم تشكيل لجنة قانونية داخلية للتحقيق معاه بكره الساعة 10 الصبح في مقر الإدارة العامة.. لو ثبت الاختلاس بالتزوير، التقرير هيترفع للنيابة العامة مباشرة بتهمة الاستيلاء على أموال الشركة وتزوير محررات رسمية.
أحمد دموعه نزلت قدام مديره.. فقد كل ذرة كرامة كانت باقية له.. وبدأ يصرخ بصوت مكتوم:
ـ مروة.. حرام عليكي.. أنا جوزك! بتعملي فيا كده ليه؟ عشان فلوس؟
وقفت من على الكرسي، ولميت ورقي، وبصيت له بنظرة حاسمة وقاتلة:
ـ إنت خسرت حقك في كلمة "جوزك" من دقيقة ما إيدك اترفت عليا يا أحمد.. ومن النهارده، أنا مش مروة السيد مرأتك.. أنا المديرة المالية اللي هتحاسبك على كل مليم سرقته.. وعلى كل وجع سبته في قلبي وفي وشي.. وبالمناسبة.. قضية الخلع ارفعت من ساعة.. وجواب إلغاء توكيل العربية في طريقه للمرور والشركة دلوقتي.. يعني من بره الباب ده.. إنت هتمشي على رجليك.. ومفيش عندك بيت ترجع له.. ومستقبلك كله بقى في إيدي أنا.
سبته واقف في المكتب زي الصنم، وخرجت.. الممر كله كان واقف يتفرج.. الموظفين كلهم كانوا بيبصوا له بصدمة بعد ما كان عايش دور المهندس الكبير المحترم اللي مراته مديرة غنية ومظبطاه..
نزلت ركبت عربيتي.. وأنا بسوق، حسيت بنوع من الراحة النفسية عمري ما حسيته من خمس سنين.. بس جوايا كان بيقول لي إن الموضوع لسه مخلصش.. أحمد لما يلاق نفسه هيتسجن، وعيلته تلاقي إن الفلوس والمصلحة ضاعت، هيتحولوا لوحوش كاسرة.. وهيحاولوا يعملوا أي حاجة عشان يلووا دراعي..
وفعلاً.. مكنتش أعرف إن حماتي أمينة وكريم كانوا في اللحظة دي بيخططوا لمصيبة تانية خالص.. مصيبة تخليني أندم على اليوم اللي فكرت فيه أتحداهم.. مصيبة هتقلب الموازين كلها في الفصل الجاي..