إهانـة لا تُغتـفر ج 1 حكـايات مني السيد

لمحة نيوز


أنا اللي كنت بنزف...
وهي اللي كانوا بيهدوها.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت أحمد جاي من الجنينة وهو بينادي
مريم... إنتي فين؟
ولا واحد في البيت كان متخيل إيه اللي هيحصل أول ما يدخل الصالة...
يتبع في الجزء الثاني...
دخل أحمد الصالة بابتسامة خفيفة، كانت لسه آثار الألعاب النارية في عينيه، لكنها اختفت في ثانية واحدة لما شاف منظري.
شفت في عينيه تحول مرعب. وجهه اللي كان دايماً هادي، اتشد لدرجة إن عروق رقبته برزت. بص للدم اللي بيسيل على شفايفي، وبص لنهى اللي لسه إيدها مرفوعة في الجو، وبعدها بص لأمه اللي كانت واقفة جنبها ببرود وكأنها بتطبطب على ضحية مش جانية.
عم الهدوء التام في المكان، لدرجة إن صوت عقارب الساعة اللي معلقة في الصالة كان مسموع.
أحمد تقدم خطوة واحدة، وصوته كان واطي، بس تقيل زي الرصاص
مين... اللي مد إيده على مراتي؟
نهى بلعت ريقها، وحاولت تتكلم بثقة مصطنعة
يا أحمد، مريم قليلة الأدب وكانت بتعلي صوتها على ماما، وأنا كان لازم...
ما كملتش جملتها. أحمد تجاهلها تماماً وبص لأمه اللي وشها بدأ يتغير لونه.
يا أمي، كنت فاكر إنك بتعرفي أصول الضيافة، بس الظاهر إني كنت غلطان.
مد إيده في جيبه، وطلع دفتر شيكات كان مجهزه عشان هدايا كان مخطط يوزعها بمناسبة السنة الجديدة، وفتحه وكتب رقم. ما كانش مبلغ قليل، كان مبلغ يغطي كل اللي دفعته مريم وكل ديونهم الوهمية اللي كانوا بيطالبوها بيها، بزيادة.
رمى الشيك على الترابيزة قدامهم، وصوته هز أركان الصالة
ده حسابكم اللي طلبتوه. خدوهم، واستمتعوا بيهم، لأن دي آخر فلوس هتشوفوها مني، وآخر مرة هتدخلوا فيها حياتي.
مسك إيدي، وكان ماسكها بقوة بس حنية الدنيا كانت في مسكته.
مريم... لمي حاجتك. إحنا ماشيين.
الحاج محمود قام من مكانه بغضب
إنت بتهددنا يا أحمد؟ إنت بتسيب بيتك وأهلك عشان خاطر ست هانم مش عارفة تجيب عيل؟
أحمد وقف، وبص لأبوه نظرة كسرتهم كلهم
مريم مش ست هانم. مريم دي اللي شالتكم أربع سنين، وهي اللي دفعت ثمن أكلكم وشربكم ورفاهيتكم من دم قلبها، في الوقت اللي كنتوا بتعاملوا فيه بنت الناس كأنها خادمة. ومش عيبها إن مفيش عيال، العيب في قلوبكم اللي مفيهاش ذرة رحمة.
سحبني ومشينا. طلعت من البيت ده وأنا حاسة إني برمي جزء من عمري ورايا. ركبنا العربية، وفضلت ساكتة، الدم لسه طعمه في بقي، والوجع في قلبي مش بس في وشي.
أحمد فضل سايق لفترة طويلة، ملامحه كانت متشنجة. وقف فجأة قدام فيلا تانية، مش بيتنا اللي متعودة عليه.
انزلي يا مريم.
بصيتله باستغراب
إحنا فين؟
ده البيت اللي كنت محوش عشان أعيش فيه معاكي بعيد عنهم. كنت فاكر إنهم هيتغيروا، كنت فاكر إن الكلمة الطيبة ممكن تلين الصخر، بس الظاهر إن في قلوب طبعها الحجر.
دخلت البيت، وكان هادي ومريح، بس عقلي كان لسه في عقد الترابيزة.
أحمد... إنت ما تعرفش إيه اللي كان تحت الترابيزة عند أهلك.
بصلي بتركيز
قصدك إيه؟
حكيتله عن الورق اللي شوفته صدفة لما كنت بلم الأطباق قبل ما تحصل الخناقة، عقد بيع البيت اللي هما عايشين فيه، وعقود تانية بتنقل ملكية كل أملاك والده لنهى وجوزها، وبيمضوا فيها الحاج محمود وهو مش واعي.
أحمد سكت فترة، وبصلي بأسى
هما كانوا بيحاولوا يسرقوا والدي عشان يضمنوا إنك تضمني مستقبلهم قبل ما ياخدوا كل حاجة. مريم، اللي حصل ده مش بس خناقة، ده كان مخطط عشان يخرجوني أنا وإنتي من الصورة تماماً بعد ما يشفطوا آخر قرش في جيبنا.
الأيام اللي بعد كدة كانت أصعب مما أتخيل. نهى وأمها ما سكتوش. بدأوا حملة تشويه سمعة ليا في العيلة، وقالوا إني سحرت لأحمد عشان يقطع صلته بيهم، وإني سرقت فلوسهم.
بس في الشغل، كنت لسه مريم، مديرة الحسابات اللي ما بيفوتهاش الهفوة. وفي يوم، وأنا براجع حسابات الموردين بتوع شركتنا، اتصدمت. لقيت اسم شركة نهى وجوزها داخل في مناقصة توريدات لشركتنا، والأرقام اللي حاطينها كانت خيالية ومضروبة.
حسيت بفرصة بتجيلي لحد عندي. دي مش بس مجرد خناقة عائلية، دي بقت قضية أمانة وظيفية.
كلمت أحمد
أحمد، الشركة اللي نهى وجوزها شغالين فيها داخلة مناقصة عندنا.
أحمد ضحك ضحكة باردة
ده رزقك اللي بيجيلك يا مريم. هما فاكرين إنك لسه البنت الطيبة اللي بتمسح بيهم الأرض؟
مش هعمل حاجة غير شغلي. بس لو الورق اللي قدموه مضروب... هطبق القانون.
وفعلاً، بدأت أراجع الملفات بدقة. اكتشفت إن الشركة دي مش بس بتسرق الناس، دي بتغسل أموال، ونهى وجوزها كانوا بيستخدموا اسم العيلة وسمعة الحاج محمود عشان يغطوا على نشاطاتهم المشبوهة.
في وسط كل ده، كانت المخابرات أو الرقابة الإدارية بدأت تحوم حوالين الشركات دي. كنت في المكتب، لقيت مكتبي محاصر بطلبات تحقيق.
حماتي دخلت عليا المكتب في يوم من غير استئذان، وجها باهت، ولأول مرة في حياتي شفت الخوف في عينيها.
مريم... نهى في ورطة كبيرة. الشرطة سألت عليها في قضية نصب. إنتي أكيد تعرفي حد في الشركة يوقف الموضوع ده.
بصيت لها بهدوء، ورجعت ضهري لورا
أوقف إيه يا حماتي؟ العدل بياخد مجراه. أنا ماليش دعوة باللي نهى عملته.
دي أخت جوزك! لو اتحبست، أبوكي الحاج محمود مش هيستحمل!
قربت منها وبصيت في عينيها
لما ضربتوني، ولما استغلتوني، ولما أهنتوني قدام الكل... فكرتوا في مشاعري؟ فكرتوا إني إنسانة وليها كرامة؟ إنتي كنتِ عايزة مني فلوس، دلوقتي أنا مش عايزة غير الحقيقة.
خرجت من المكتب وهي بتترعش. بعدها بيومين، عرفت إن نهى وجوزها اتقبض عليهم بتهمة تزوير مستندات رسمية.
البيت اتغير تماماً. الحاج محمود طلع عنده بداية ألزهايمر، وده اللي كان بيخلي نهى تستغله وتخليه يمضي على عقود تنازل. اكتشفت إن الفلوس اللي كانوا بيطلبوها مني مش بس للطمع، كانت لمحاولة تغطية العجز اللي عملوه في تجارة والدهم.
أحمد وقف بجنبي، وبدأنا نهتم بالحاج محمود في صمت، بعيد عن نهى وأمها اللي بقوا في مواجهة القانون.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما رحت للدكتور تاني، بعد شهور من الضغط النفسي ده. كنت مفكرة إن الوجع لسه موجود، بس الدكتور بصلي بابتسامة غريبة وقالي
مريم، الضغط النفسي أحياناً بيكون هو الحاجز الوحيد. مبروك، إنتي حامل.
دموعي نزلت، مش بس فرحة، كان إحساس بالراحة. بس الفرحة ما كملتش، لأني جالي تليفون من أمن الشركة يا فندم، في حد واقف برا وعايز يقابلك، بيقول إن معاه ورقة تخص جوزك وأهله.
طلعت لقيت راجل غريب، شكله محامي قديم، ملامحه توحي بالغموض. مد إيده بظرف أصفر قديم
ده اللي كان تحت الترابيزة، بس مش اللي نهى كانت مفكراه. ده العقد الحقيقي اللي كتبه والد أحمد من سنين، واللي بيغير موازين الميراث والديون كلها.
فتحت الظرف، وقرأت السطور الأولى، وعرفت إن حياتي هتدخل في دوامة تانية خالص... دوامة سر قديم هيقلب حياة عيلة أحمد كلها، ويخليني أنا صاحبة القرار في مصيرهم كلهم.
سألت المحامي
ليه دلوقتي؟
بصلي وقال
لأن الوقت المناسب جه، ولأنك الوحيدة اللي أثبتت إنها عندها ضمير في وسط عيلة مريضة بالفلوس.
أحمد دخل المكتب، وشافني ماسكة الورق، ملامحه اتغيرت
مريم؟ إيه ده؟
أحمد... الموضوع أكبر بكتير مما كنا فاكرين. العيلة دي وراها سر، سر أكبر من مجرد فلوس. سر هيهد عمارهم أو ينقذهم... وإحنا اللي في إيدينا المفتاح.
يتبع

تم نسخ الرابط