رفضت أبيع دهبي ج 2 والاخـير حكـايات مني السيد
بعد ما مشيت وسيبته في الكافيه، كنت فاكرة إن الموضوع خلص، وإن صفحة "جوزي السابق" اتقفلت للأبد. روحت البيت، قفلت على نفسي، وسمحت لنفسي ولأول مرة من فترة طويلة إني أعيط بجد. مش عليه، ولا على العشرة اللي راحت، بس على الوجع اللي كان جوه قلبي، الوجع اللي كان محبوس ورا قناع القوة اللي لبسته عشان أواجهه.
لكن الحياة مكنتش مجهزة ليا هدوء، بالعكس، الحكاية كانت لسه بتبدأ.
بعد شهر من الموقف ده، كنت في شغلي—اللي بقيت بقدسه لأنه بقى "ملاذي" وسبب استقلاليتي—ولقيت رقم غريب بيتصل بيا. رديت لقيت صوت راجل كبير، اتضح إنه محامي "جوزي السابق".
"يا مدام، أنا محامي الأستاذ (فلان)، هو حالياً عنده أزمة قانونية كبيرة ومحتاج يقابلك ضروري."
قلبي اتنفض، مش خوفاً عليه، لكن لأن الذكريات رجعت تهاجم مخي تاني. رديت ببرود: "أزمة إيه؟ وأنا مالي وماله؟ إحنا خلاص بينا ورقة طلاق."
قال بصوت متردد: "الموضوع يخص أملاك مشتركة.. ومستندات كانت لسه باسمك."
سكتّ لحظة، وبعدين وافقت. مكنتش عايزة أسيب خيط مفتوح يربطني بيه، كنت عايزة أقطع أي خيط مهما كان صغير.
اتقابلنا في مكتب المحامي. كان قاعد هناك، باين عليه الهزال، الدقن طالعة، والهدوم مش زي ما كانت متعودة إيدي تظبطها له. أول ما دخلت، وقف بتوتر، وبصلي بكسرة: "أنا آسف.. مكنش قدامي غيرك عشان أطلب منه المساعدة."
ضحكت بسخرية: "مساعدة؟ إنت ناسي إنت عملت فيا إيه؟ إنت رميتني في الشارع عشان تروح لغيري، ودلوقتي جاي تطلب مساعدة؟"
بص للأرض وبدأ يحكي. الحكاية اللي حكاها كانت صدمة تانية فوق صدمة الجواز. الست اللي اتجوزها، مكانتش مجرد "عروسة جديدة"، دي كانت نصّابة محترفة. دخلت حياته، أوهمته بالحب، ولما اتجوزوا، بدأت توقعه في فخاخ قانونية. أخدت منه توكيلات، وبدأت تحول أملاكه باسمها واسم أهلها. والشقة اللي كان بيجهزها عشان "يبدأ حياة جديدة"، كانت هي أول حاجة اتكتبت باسمها.
دلوقتي، هي رفعت عليه قضية خلع، ورفعت قضايا تانية بتطالبه فيها بمؤخر ونفقة، والأدهى إنها ورطته في ديون تجارية كبيرة باسمه، والبنك بدأ يلاحقه.
بصيتله وقررت أسأله السؤال اللي كان حارق قلبي: "ليه يا (فلان)؟ ليه عملت فينا كدة؟ كنت عايش معايا مستور، ليه طمعت؟"
بص في عيني وقال بدموع حقيقية: "شيطان.. وسوس لي إن الفلوس هتشتري لي السعادة، وإني كنت 'محبوس' في حياة روتينية. كنت فاكر إني لما أتغير، هبقى أسعد. مكنتش أعرف إني كنت ببيع 'الدهب الحقيقي' عشان أشتري 'إزاز' بيلمع في الشمس، ولما لمسته، جرحني."
حسيت بوجع ناحيته، مش حب، ولا حنين، بس شفقة على إنسان كان معاه كنز ورماه. لكن فجأة، افتكرت أمي. افتكرت الليلة اللي كنت فيها بموت من الخوف عليها، واللحظة اللي بعت فيها دهبي عشانها، واللحظة اللي هو أهان كرامتي فيها ببرود أعصابه وهو بيبلغني بقرار جوزاته.
قلتله: "أنا مش هساعدك، لأن ده مش دوري. ده الدرس اللي كان لازم تتعلمه. الحياة مش بس فلوس ومشاريع وشقق، الحياة أمانة."
قام يترجاني، وبدأ يعيط. وفي اللحظة دي، دخلت واحدة المكتب. كانت هي.. "العروسة الجديدة". كانت لابسة لبس غالي، وبتبصلي بنظرة كلها تحدي.
قالت وهي بتستفزه: "أهو المحامي وصل، وأوراق الحجز على المحل التاني بقت جاهزة. ولا فاكر إنك ممكن ترجع لـ 'مراتك الأولى' وتستقوى بيها؟"
بصيت لها، وبصيت له، وبصيت للمحامي. قلت بصوت هادي ومسموع للكل: "أنا ماليش دعوة بالخناقات دي. أنا جيت هنا عشان أمضي على تنازل عن أي حاجة كانت لسه مرتبطة باسمي، مش عشان أدخل في صراعاتكم."
مضيت الورق، ووقفت عشان أمشي. هو ناداني: "استني.. أنا عارف إني خسرت كل حاجة.. بس أنا بجد ندمان."
بصيتله للمرة الأخيرة، وقلت: "الندم يا (فلان) مبيصلحش القلوب اللي اتكسرت. كل واحد فينا بيتحمل نتيجة اختياراته. إنت اخترت 'التغيير' على حسابي، وأنا اخترت 'نفسي' بعد ما اتخليت عني. ربنا يسامحك، بس طريقي بقى في اتجاه تاني خالص."
خرجت من المكتب، والهواء اللي ضرب في وشي كان كأنه تنفس جديد. مشيت في شوارع القاهرة، وسط الزحمة والصخب، وبدأت أسمع صوت نفسي. لا كنت مكسورة، ولا كنت حاقدة. كنت حاسة إن الدرس ده كان لازم يحصل عشان أصحى.
بدأت أركز في شغلي أكتر، ومشاريعي كبرت. "روايات واقتباسات" مبقتش مجرد صفحة، بقت كيان بيضم آلاف الستات اللي بيحكوا قصصهم زيي، بيلاقوا فيها دعم ومساندة.
بعد كام شهر، بدأت أسمع أخبار عنه. خسر المحل، خسر الفلوس، حتى الشقة اللي كان بيجهزها اتسحبت منه في الديون. وبقى عايش لوحده، ندمان على كل لحظة خذلني فيها.
لكن الغريب، إن في يوم، وأنا في طريقي لشغلي، شفت حد بيوزع ورق على الناس.. كان هو. شفته بيبتسم للناس وبيحاول يفتح صفحة جديدة، بس مش بالطريقة اللي أنا عارفاها. كان بيشتغل "عامل" في محل بسيط، وبيبني حياته من الصفر، زي ما كنت أنا بعمل بالظبط.
وقفت بعيد، اتفرجت عليه وهو بيتعامل مع الناس، كان بيبان عليه إنه اتعلم التواضع. مروحتش سلمت عليه، ولا اتكلمت معاه. بس دعيتله في سري: "يا رب يكون اتعلم الدرس.. مش عشاني، بس عشان هو كمان إنسان."