بنتي تلم الأكل من الزبالة كاملة بقلم حكايات صافي هاني
المحتويات
الصنم، وشها اتقلب لونه وبقت بتبص حواليها برعب بعد ما كل الكاميرات والموبايلات في القاعة بقت متوجهة عليها، والهمس اتقلب لملامة واضحة من كل الحاضرين.
أحمد نزّل هناء على الأرض، ومسك إيدها الصغيرة وجمد قلبه، وبص لأمه بنظرة خالية من أي مشاعر وقال بصوت جهوري سمعه كل اللي في القاعة الحفلة دي انتهت.. والفلوس اللي في الحساب اللي كنتِ بتسرقيها من بوق بنتي، هترجع بالمليم، وحسابي معاكي مخلصش يا ميرفت هانم، بس من أول الدقيقة دي.. أنا ماليش أم.
ميرفت صرخت بصوت مكتوم أحمد! أنت بتتبرى مني عشان حتة عيلة وست ملهاش لازمة؟ أنا أمك!
أحمد ملتفتش وراها، أخد بنته في حضنه وطلع يجري بيها على برة، وركب عربيتة وبص لعم إبراهيم اللي كان واقف مستنيه اطلع بينا على مكان خديجة يا عم إبراهيم.. فوراً.
طول الطريق، أحمد كان ضامم هناء لصدره وهي بتعيط وتترعش، وهو بيمسح على شعرها ويدمع، مش مصدق إن الجشع والغل يوصلوا أقرب الناس ليه إنه يدمر عيلته ويحرمه من حتة من قلبه.
العربية وقفت بعد ساعة في منطقة شعبية بسيطة، الشوارع ضيقة والبيوت قديمة. عم إبراهيم شاور على بيت دورين وقال هي في الأوضة اللي فوق يا بيه.
أحمد نزل من العربية وهو شايل هناء، وطلع السلم اللي كان متهالك، وقلبه بيدق بعنف وكأنه رايح لإعدامه. وقف قدام الباب الخشب القديم، وهناؤ خبطت بإيدها الصغيرة وقالت ماما.. أنا جيت.
الباب اتفتح ببطء، وظهرت خديجة.
أحمد اتصدم من شكلها؛ كانت خاسة جداً، وشها شاحب، وتحت عينيها هالات سوداء، ولابسة هدوم بسيطة جداً ومغطية راسها بإيشارب قطن. أول ما عينيها جت في عين أحمد، رجعت لورا خطوة ودموعها نزلت في صمت، واحتضنت نفسها كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
أحمد دخل الأوضة، ونزل هناء، وقرب من خديجة بخطوات تقيلة، وركع قدامها على الأرض زي ما ركع لبنته من شوية، ومسك إيديها اللي كانت خشنة من الشغل ومغطية بالجروح وقال بصوت مكسور سامحيني.. أنا كنت أعمى.. كنت غبي وصدقت الحية اللي حرمتني منك ومن بنتي.
خديجة بكت بحرقة ووقعت على ركبها قدامه تلات سنين يا أحمد.. تلات سنين بتبهدل وأنا مظلومة، وبنتك بتنام جعانة وبقولها بكرا بابا يعرف الحقيقة ويرجع لنا.. كنت عارفة إنك عمرك ما ترمينا، بس مكنتش عارفة ليه غبت كل ده.
أحمد حضنها وحضن هناء معاها، وفضلوا التلاتة يعيطوا في وسط الأوضة الضيقة. في اللحظة دي، أحمد أقسم في سره إنه هيعوضهم عن كل ثانية عذاب عاشوها، وإن أمه والفلوس وكل المظاهر الكدابة مش هتساوي ضحكة واحدة من بنته أو نظرة أمان من مراته.
تاني يوم الصبح، محامي أحمد كان واقف قدام الحاجة ميرفت بإنذار رسمي بالحجز على كل الأموال والأملاك اللي كان كاتبها باسمها، مع قضايا خيانة أمانة وتزوير. أحمد مقبلش أي واسطة ولا مكالمة من حد من قرايبه، وقفل الباب ده تماماً.
أخد خديجة لأكبر مستشفيات الدولة عشان تبدأ علاجها، ونقل بنته لأحسن مدرسة، واشترى فيلا جديدة بعيدة عن كل مكان بيفكره بالماضي. وفي يوم، وهو قاعد في الجنينة بيتفرج على هناء وهي بتلعب بفستانها الجديد وبتضحك وخديجة قاعدة جنبه وصحتها بدأت ترجع لها، أحمد ابتسم وحس لأول مرة إنه فعلاً راجل أعمال ناجح.. بس المرة دي، نجح في إنه يرجع لبيته روحه اللي ضاعت.
مرت الأيام والأسابيع، وأحمد كان عايش في سباق مع الزمن عشان يمحو أثر تلات سنين من العذاب والشقاء من على وش مراته وبنته. الفيلا الجديدة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت ضحكات هناء اللي بدأت ترجع تدريجيًا لقلب البيت، والاهتمام الطبي المكثف بخديجة بدأ يجيب نتيجة؛ وشها ردت فيه الروح، والهالات السوداء بدأت تختفي، بس النظرة المكسورة في عينيها كانت لسة محتاجة وقت عشان تروح تمامًا.
في يوم، وأحمد قاعد في مكتبه بالشركة، دخل عليه المحامي بتاعه وهو شايل ملفات كتير. حط الملفات على المكتب وقال بنبرة جادة أحمد بيه، الموقف القانوني للحاجة ميرفت بقى صعب جداً. الحساب البنكي اللي كان بيتحول عليه ال ٢٠٠ ألف جنيه شهريًا ثبت إنها كانت بتسحب الفلوس كلها بنفسها وبإمضتها، وفيه تزوير واضح في التوكيل اللي استخدمته عشان تظهر إن خديجة هانم هي اللي بتستلم. ده غير إننا رفعنا قضية طرد تعسفي وشهادة عم إبراهيم في النيابة قفلت القضية تمامًا.
أحمد بص للملفات وعينه كانت قاسية، وقال بصوت حازم مش عايز أي تنازل يا متر. كل قرش دخل حسابها من فلوس بنتي يرجع، والقانون ياخد مجراه للاخر. أنا مش هظلمها، أنا بس هاخد حق تلات سنين بنتي كانت بتلم فيهم الأكل من الزبالة وهي بتصرف الملايين على حفلاتها.
المحامي هز راسه وخرج، وفي نفس اللحظة تليفون أحمد رن. كانت خديجة.
أحمد صوته اتقلب تمامًا وبقى كله حنية أيوة يا حبيبتي، طمنيني عليكي؟ أخدتي علاجك؟
صوت خديجة كان فيه هدوء وراحة الحمد لله يا أحمد، أنا أحسن كتير. هناء رجعت من المدرسة وفرحانة جداً بأصحابها الجداد.. بس أنا كنت شاعرة بتقل في قلبي وعايزة أطلب منك طلب.
أحمد اعتدل في قعدته رقبتي ليكي يا خديجة، أؤمري.
خديجة سكتت لحظة وقالت بصوت واطي عم إبراهيم.. الراجل ده خاطر بلقمته وأكل عيشه وبمستقبله عشان يقول كلمة الحق
متابعة القراءة