المعـجزة كـاملة حكـايات منـي السـيد
الجزء الأول: الحلم اللي جه متأخر.. والوجع اللي جه في وقته
**بقلم: منى السيد**
خلفّت وأنا عندي 41 سنة.. وقتها الكل كان بيقولي خلاص القطر فاتك، ومفيش أمل تكوني أم. بس ابني ما جاش متأخر.. هو جه في اللحظة اللي كانت روحي محتاجاه فيها بالملي.
سنين وأنا بسمع كلام الناس اللي بيدّعوا الخوف عليا وهو في الحقيقة سمّ: "مش ده السن المناسب"، "يمكن لازم ترضي بنصيبك". كنت ببتسم، وأهز راسي، وأمثل إن الكلام ما بيجرحش.. بس الحقيقة إن كل كلمة كانت بتسيب في قلبي علامة مش بتمحيها الأيام.
لما عرفت إني حامل، بكيت بدموع حرقت قلبي لدرجة إني مكنتش قادرة أتنفس. كنت 41 سنة، وجوازي كان بارد ومطفي، وجوزي "أكرم" كان بيبص لي كأني جزء من حياة قديمة هو مابقاش عايزها.متوفرة علي روايات و اقتباسات
لما قلت له الخبر، همست: "إنت هتبقى أب.."
بص لي بجمود، وتمتم ببرود: "في سنك ده؟"
عملت نفسي ما سمعتش.. لأن الست اللي بتستنى معجزة سنين، ساعات بتغمض عينيها قصاد كل علامات الخطر.
شهور الحمل كانت جبل تعب.. بس كل "دبّة" من ابني جوه كانت بتفكرني إن التمن يستاهل. "أكرم" من ناحية تانية، كان بيبعد أكتر.. صمت قاتل، وسرحان دائم، وغياب ملوش
لما ابني شرف الدنيا، سميته **"ياسين"**. أول ما حطوه على صدري، كل سنين الوجع اتلخصت في شعور واحد: حب صافي ومالوش نهاية. "أكرم" جه المستشفى متأخر، بص لـ "ياسين" لحظة وقال ببرود: "شكله حلو." ما قالش "ابني"، ما قالش "الحمد لله".. قال "حلو" كأنه بيبص على طفل غريب.متوفرة علي روايات و اقتباسات
بعد تلات شهور، حط الشنطة عند الباب وقال بكلمتين:
**"أنا اتجوزت يا هالة.. دي سنة الحياة، وأنا من حقي يكون عندي بيت تاني وعيلة مفيهاش القلق والتعب اللي عيشناه سنين عشان الولد ده يجي."**
كنت قاعدة وياسين نايم في حضني. سألته بذهول: "اتجوزت؟ وعيلتنا؟"
رد ببرود: **"أنا مسبتكيش، بس البيت ده بقى تقيل عليا.. أنا محتاج حياة أهدى مع حد يقدر يفرغ لي وقته، مش حد وقته كله ضايع بين دكاترة ولبن وحفاضات."**
سألته: "هتتخلى عن ابنك فعلاً عشان تبني بيت تاني؟"
نفخ بضيق: "هبعت لكم فلوس، مش هقصر في المصاريف."
الجملة دي قفلت آخر باب بينا. فهمت إنه اختار يهرب من مسؤولية "المعجزة" اللي استنيناها، عشان يروح لراحة جاهزة في بيت تاني.متوفرة علي روايات و اقتباسات حضنت ابني ووقفت أتفرج على "أكرم" وهو خارج، كأن الأبوة دي كانت "جاكيت" قلعه
"هبعت فلوس"
دي كانت آخر جملة قالها قبل ما يخرج. كلمة "فلوس" خرجت منه كأن التحويل البنكي ممكن يعوض لمسة إيد أب على جبين طفل سخن. بصيت لابني وفهمت إن جوازي انتهى فعلاً، بس حياتي الحقيقية لسه بتبدأ.
انقطعت أخباره، والفلوس بدأت تقل لحد ما انقطعت خالص بحجة "التزامات بيته التاني وعياله الجداد". رجعت لشغلي كمدرسة لغة عربية بكل طاقتي، عملت كل حاجة.. دروس خصوصية، تصحيح أبحاث، وحتى حلويات ببيعها للجيران.
اتعلمت إزاي أعزي نفسي في صمت عشان ياسين ميسمعش شهقتي. وياسين كبر وهو شايفني بشتغل ليل نهار.. كبر وهو عارف إن "بابا" ده مجرد اسم في شهادة الميلاد.
### المواجهة: التمن الغالي لـ "تلات ثواني"
ياسين كان واقف على المسرح في حفلة تخرجه بتفوق، لابس روب التخرج، وشكله يفرح القلب. وفجأة، الباب اتفتح.. ودخل "أكرم".
كان لابس بدلة غالية، ومعاه زوجته التانية وعياله منها.. داخلين بكل فخر كأنهم العيلة المثالية. بدأ يشاور للناس ويقول بصوت عالي: **"ده ابني البكري.. ياسين أكرم، طالع الأول!"**
ياسين نزل من على المسرح.. خطواته كانت هادية وثابتة، وعينيه كانت **فاضية**.
أكرم قرب منه وفتح دراعاته: "مبروك يا بطل.. مبروك يا ابني، رفعت راسي."
في اللحظة دي، ياسين وقف.. ماردش الحضن. بص في ساعة إيده، وبعدين بص لأكرم، وبمنتهى الهدوء قال:
**"أنا آسف يا أستاذ.. حضرتك تعرفني؟"**
أكرم ضحك بمرارة وقال بتهتهة: "أنا أبوك يا ياسين.. نسيتني؟"
ياسين بص له ببرود تام لمدة **تلات ثواني**.. ثواني لخصت 15 سنة من الغياب. ثم ابتسم وقال:
**"والله يا فندم الذاكرة خاينة.. أنا اللي أعرفه إن أبويا اختار يعيش حياته في بيت تاني وسابنا من سنين، وأمي هي اللي قامت بالواجب وزيادة. لو حضرتك جاي تبارك لأي طالب هنا، فـ أهلاً بيك.. غير كده، حضرتك ضيعت عنوانك.. وعنوان كرامتك كمان."**
ولف ضهره بمنتهى الثبات، ومشي ناحيتي. "أكرم" فضل واقف مكانه، وشه بقى لونه أصفر وزوجته بتبص في الأرض من الكسوف. الصورة اللي رسمها قدام عياله التانيين إنه الأب العظيم اتهدت في تلات ثواني.
ياسين جالي، باس إيدي قدام الكل، وقال:
**"مبروك يا ست الكل.. الشهادة دي ليكي إنتي، لأن إنتي اللي كنتي الراجل والسند."**
بصيت لأكرم وهو خارج بيجر خيبته وراه، وفهمت إن ربنا مبيسيبش حق حد.. وإن المحطة اللي وصلت لها مع ياسين، تستاهل كل وجع السنين.
**تمت.... حكايات مني السيد .....**