اشتريت البيت علي البحـر ج 2 حكـايات مني السيد حصري
نزلت إيلين درجات السلم بخطوات ثابتة، مكنتش مستعجلة، ولا كانت بتجري زي واحدة مكسورة أو بتهرب. صوت كعب جزمتها الرخيم على الرخام كان بيعمل صدى جوه عمارة المعادي الهادية، صدى بيشبه بالظبط كل الأوهام اللي اتكسرت جواها في لحظة واحدة.
أول ما خرجت للشارع، ضرب وشها هوا القاهرة الرطب في ليل أول الصيف. بصت لساعتها؛ كانت داخلة على تسعة بالليل. الشارع مليان حركة، عربيات رايحة وجاية، ناس بتضحك ع القهاوي، ومحلات بتفرش بضاعتها. الدنيا ماشية عادي جدًا، ولا كأن في إنسانة لسه من خمس دقايق اكتشفت إن تلات سنين من عمرها وشقاها كانوا مبنيين على أرض هشة، وإن الراجل اللي كانت بتسهر تدفي ضهره مكنش أكتر من عيل متداري في ضل أمه.
مراحتش مطعم تتعشى زي ما قالتلهم. رجليها خدتها لكورنيش النيل القريب، قعدت على كافيه هادي، طلبت فنجان قهوة سادة، وطلعت تليفونها.
الشاشة نورت، وشافت صورة طارق وهي في خلفية التليفون؛ كان متصور معاها في دهب السنة اللي فاتت، بيضحك ورافع إيده بعلامة النصر، وهي جنبه فرحانة بيه وبضحكته. مسحت إيلين بإبهامها على الشاشة، وحست بوجع خفيف في زورها، بس الوجع ده بسرعة اتحول لصلابة. الغدر لما بيجي من غريب بيوجع، بس لما بيجي من أقرب الناس بيفوّق.. وإيلين كانت من النوع اللي لما بيفوق، بيحسبها بالورقة والقلم.
فتحت النوتس وبدأت تراجع حساباتها: عقد إيجار الشقة باسمها هي.. التأمين طالع من حسابها هي.. عفش الشقة تلتينه شرياه بفلوس شغلها وفواتيره متوثقة على إيميلاتها.. قسط العربية اللي طارق راكبها مسحوب من حساب بنكي هي ضامنة فيه، وإيصالات الأمانة بتاعة صحابه لسه نسخة منها محطوطة في درج مكتبها.
ضحكت بسخرية وهي بتبص لصفحة الحسابات: «كنت فاكرة إني بحميك وببني بيتنا.. طلعت بتسمن في قطة عشان تاكل صوابعك أول ما تجوع.»
شربت قهوتها على مهل، وبصت للمايه السودة اللي بتلمع تحت أنوار الكباري. تليفونها مبطلش رن؛ في الأول كانت رنات طارق متتالية، سبع رنات ورا بعض.. بعدين مسجات: «إيلين ردي..» «إنتي فين؟ متزعليش، أمي مشيت خلاص والبيت فاضي زي ما طلبتي.» «إيلين متكبريش الموضوع، إحنا لازم نتكلم بالعقل.. إنتي فهمتي كلام أمي غلط والله.»
وبعد رسايل طارق، جت رسالة من رقم أمه، الحاجة فايزة: «يا خسارة التربية يا بنت الناس، بقى عشان قرشين طالعين من دم قلب ابني تقفي في وشي وتقللي من هيبة الراجل؟ ربنا يهديكي وترجعي لعقلك قبل ما تلاقي نفسك في الشارع ومطلقة، وساعتها الفلوس مش هتعوضك ضل الحيطة اللي كان سترك!»
إيلين مسحت الرسايل كلها ببرود تام، قفلت التليفون ورمته في الشنطة. دفعت الحساب، وقامت تمشي راجعة للبيت.
الساعة كانت عدت حداشر ونص لما فتحت باب الشقة بالمفتاح.
أول ما فتحت، شمت ريحة بخور تقيلة خنقة.. ريحة البخور اللي الحاجة فايزة دايمًا بتولعه عشان «تطرد العين والحسد». الشقة كانت هادية بشكل كئيب، بس النور بتاع الصالة كان والع، وطارق قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه، وأول ما سمع صوت المفتاح اتنفض من مكانه وجري ناحيتها.
«إيلين! اتأخرتي ليه كده؟ كنت هتجنن، تليفونك مقفول ليه؟»
إيلين قلعت جزمتها وحطتها على الجنب، وعلقت شنطتها على الشماعة من غير ما تبصله: «تليفوني فصل شحن.. وأنا مكنتش حابة أسمع دوشة.»
طارق مسك إيدها بلهفة، إيديه كانت متلجة وعرقانة: «حقك عليا.. أنا عارف إني غلطت، وعارف إن طريقة أمي كانت ناشفة شوية.. بس والله العظيم هي متعرفش حاجة عن شغلنا وتعبنا، هي ست قديمة وتفكيرها على قدها، فاكرة إن الراجل والست لما يتجوزوا كل حاجة بتدخل في بعضها..»
إيلين بصت له بهدوء تام، سحبت إيدها من بين إيديه بالراحة ومشت ناحية المطبخ. دخلت، صبت لنفسها كباية مايه وشربت نصها، وطارق ماشي وراها زي ضلها، وشه مليان قلق وخوف حقيقي.
«إنتي ساكتة ليه يا إيلين؟ اتكلمي، اصرخي، عاتبي.. قولي أي حاجة بس متسكتيش كده!» طارق صوته كان بيتهدج.
لفت إيلين وشها ليه وسندت على رخامة المطبخ: «أقول إيه يا طارق؟ أقولك زعلانة؟ أنا مش زعلانة.. الزعل ده بيكون لما الواحد يتفاجئ بحاجة مكنش متوقعها.. بس أنا النهاردة شوفت الحقيقة اللي كنت عامية عنها تلات سنين كاملين.»
«حقيقة إيه بس؟!» طارق قرب خطوة وتوسل: «أنا بحبك! إنتي مراتي وحبيبتي وشريكة عمري، عمري ما فكرت أطمع فيكي ولا في فلوسك!»
«بجد يا طارق؟» ابتسمت إيلين بمرارة: «محبتك دي هي اللي خلتك تروح تقعد مع أمك تحسبوا هتاخدوا مني إيه؟ محبتك هي اللي خلتك تقف ساكت وهي بتقولك طلقها واكسر رقبتها عشان تاخد نص الشاليه ونرميها للمحاكم؟ محبتك هي اللي خلتك تهز راسك وتوافق إن هند وبناتها يروحوا يفرشوا في تعبي وأنا أقعد في الحر هنا أكد واشتغل عشان أصرف عليكم؟»
طارق اتلخبط، عينيه بدأت تدمع من العجز: «أنا كنت بحاول أسايرها! إنتي متعرفيش أمي لما بتقفش بتعمل إيه، دي كانت هتقلب الدنيا على دماغي وتعملي فضيحة في العيلة! قولت أقولها حاضر وبعدين أراضيكي بيني وبينك.. مكنتش أعرف إنك سامعة!»
«يعني لو مكنتش سامعة، كنت هتيجي بالليل تقنعني بلواية الدراع؟» سألته بصوت حاسم قاطع: «كنت هتيجي تقولي معلش يا إيلين عشان خاطري هند تروح، معلش يا إيلين عشان خاطر أمي اكتبيلي حتة من الشاليه عشان مايبقاش شكلي وحش؟ كنت هتبتزني بمشاعري وبحبي ليك لحد ما تاخد اللي هما عايزينه، صح؟»
طارق سكت، معرفش ينطق. سكوته كان الاعتراف الصريح اللي ملوش أي تأويل.
«طارق..» إيلين مشت بهدوء ناحية أوضة النوم، وفتحت الدولاب: «المسرحية دي خلصت خلاص.»