ابني قفل باب في وشي ج 2 حكـايات مني السيد
ركبنا العربية في صمت.
أنا، والمحامي سامح، وكريم اللي كان سايق وهو متوتر بطريقة عمري ما شفته بيها قبل كده.
طول الطريق كان بيبص في المراية كل شوية، وكأنه خايف يوصل.
أما أنا... فكنت باصة على البحر.
نفس البحر اللي شهد أحلى أيام عمري مع محمود.
وفجأة افتكرت أول مرة جبنا فيها الأرض.
كانت مجرد قطعة رمل.
محمود وقف عليها وقال وهو بيضحك: "هنا... هنكبر."
كبرنا فعلًا.
كبر البيت.
وكبرت أحلامنا.
لكن للأسف... طمع البشر كبر أسرع.
أول ما وصلنا الفيلا، لقينا عربيات شرطة قدام البوابة، وناس واقفة بتتفرج.
نهى كانت واقفة عند الباب، وشعرها منكوش، ووشها شاحب.
أول ما شافت كريم جريت عليه.
"إلحق... هما بيقولوا الأرض عليها نزاع!"
بصتلي بعدها.
أول مرة في حياتها ما قدرتش ترفع عينها في عيني.
سامح نزل من العربية بهدوء.
طلع كارنيهه، وكلم الضابط.
بعد كام دقيقة رجعلنا.
وقال: "الناس اللي جوه مش نصابين."
شهقت نهى.
"يعني إيه؟"
قال: "بس هما كمان مش أصحاب الأرض."
كلنا بصيناله مستنيين يكمل.
فتح الملف اللي كان معاه.
وقال: "الأستاذ محمود قبل وفاته اشترى القطعة اللي جنب الفيلا، لكن سجّلها باسم صندوق الأمانة... ولما الشركة المالكة القديمة حصل فيها خطأ في الأرشيف، ظهر تعارض في البيانات."
الضابط قال: "بعد مراجعة الأوراق... الحق معاكم."
الناس اللي كانت جاية اعتذرت، ومشيت.
نهى سابت نفس طويل.
أما أنا... فافتكرت كلام محمود.
"خلي كل ورقة في مكانها... القانون عمره ما بيظلم."
دخلت الفيلا.
الهدوء رجع تاني.
لكن المنظر كان بيوجع.
الأرض متبهدلة.
الزرع مكسور.
الحيطان متوسخة.
والبيت اللي كان ريحته بحر وياسمين... بقى ريحته شيشة وأكل.
مشيت بإيدي على سور البلكونة.
دموعي نزلت.
قلت بصوت واطي: "حقك عليا يا محمود... مقدرتش أحافظ عليه."
كريم كان واقف ورايا.
سمعني.
وفجأة... نزل على ركبته قدامي.
مسك إيدي.
وبكى.
أول مرة أشوف ابني بيعيط بالشكل ده.
قال: "سامحيني يا ماما."
سكت.
كمل وهو بينهج: "أنا كنت فاكر إني بعمل الصح... وإن البيت هيبقى بتاعي في الآخر... وسيبت نهى تأثر عليا... وسيبتها تكسر قلبك."
بصيتله.
لقيت ابني الصغير.
مش الراجل اللي طردني.
الولد اللي كان يجري في الجنينة وهو بيضحك.
قلت: "إنت ما كسرتش قلبي لما طردتني."
رفع عينه باستغراب.
قلت: "إنت كسرته... لما سكت."
نزل راسه.
ماعرفش يرد.
نهى كانت واقفة بعيد.
قربت بخطوات بطيئة.
وقالت: "أنا غلطت."
ولا مرة كنت أتخيل أسمعها بتقولها.
كملت: "أنا اتربيت إن اللي معاه فلوس هو اللي يكسب... ولما شفت حضرتك كبيرة وعلى كرسي متحرك... افتكرت إنك خلاص مش هتعرفي تديري حاجة."
بصتلها.
قالت وهي بتمسح دموعها: "لكن اكتشفت إن القوة مش في الجسم... القوة في الإنسان."
ما رديتش.
سامحتها؟
لسه لأ.
لكن الكراهية اللي جوايا بدأت تهدى.
تاني يوم، طلبت منهم كلهم يقعدوا في الجنينة.
حطيت قدامي الملف.
وكريم أول ما شافه، قال: "أنا مستعد أمضي على أي حاجة."
ابتسمت.
"لسه مستعجل؟"
اتكسف.
قلت: "أنا فعلًا فعلت بند استرداد الفيلا."
وشه اصفر.
لكن كملت: "مش علشان أحرمك."
رفع عينه.
"علشان أضمن إن محدش يطمع فيها تاني."
فتحت الملف.
قلت: "الفيلا هتفضل باسمي طول ما أنا عايشة."
هز راسه.
"وده حقك."
قلت: "وبعد وفاتي..."
الكل سكت.
"الفيلا هتروح لكريم."
نهى بصتلي بدهشة.
لكن رفعت إيدي.
"بشرط."
سامح طلع الورقة.
وقرأ الشرط.
"لا يجوز بيع الفيلا أو رهنها أو هدمها أو تغيير شكلها الأساسي لمدة خمسة وعشرين سنة."
ابتسمت.
"دي وصية محمود... ووصيتي أنا."
كريم وقع وهو بيعيط.
وقال: "أقسم بالله هحافظ عليها."
بعد أسبوعين...
رجعت الفيلا زي الأول.
زرعت ورد جديد.
رجعت الكراسي القديمة.
رجعت صور محمود مكانها.
كل ركن رجع يحكي حكاية.
وفي يوم الجمعة، عملت شاي بالنعناع.
وقعدت في البلكونة.
لقيت كريم داخل عليا.
شايل صينية الفطار.
قال: "من النهارده... كل ويك إند أنا اللي هاجي أخدمك."
ضحكت.
قلت: "مش تخدمني."
ابتسم.
"أخد بالي منك."
ولأول مرة من شهور... حسيت إن ابني رجع.
أما نهى...
فطلبت تشتغل معايا في تنسيق الجنينة.
كل يوم كانت تزرع شجرة.
وتقول: "يمكن كل شجرة تغفرلي غلطة."
وكانت مع الوقت بتتغير فعلًا.
مش بالكلام.
بالتصرفات.
بعد سنة...
كان عندي عيد ميلادي الواحد والسبعين.
الفيلا كانت هادية.
مفيش دوشة.
مفيش ناس غريبة.
بس ولادي وأحفادي.
وكريم وقف قدام الكل وقال:
"أمي علمتني أغلى درس في حياتي... إن البيت مش اللي بنسكنه... البيت هو الإنسان اللي بناه بتعبه وعرقه."
وساب مفتاح الفيلا في إيدي.
وقال: "طول ما إنتِ موجودة... صاحبة البيت هتفضل صاحبة البيت."
ابتسمت.
وبصيت لصورة محمود المعلقة على الحيطة.
وقلت في سري:
"اطمن... حفظت الأمانة."
وساعتها بس... حسيت إن البحر رجع صوته هادي من تاني... وإن البيت أخيرًا رجع بيتنا، مش بالطوب ولا بالورق... لكن بالمحبة والاحترام اللي كانوا ضاعوا، ورجعوا من جديد.