إهانـة لا تُغتـفر ج 3 والاخير حكـايات مني السيد

لمحة نيوز

بعد المؤتمر الصحفي، كان الجو مشحون بحاجة غريبة، شعور بالانتصار ممزوج ب قلق من المجهول. الشخص اللي بشكوكه كان واقف بعيد في القاعة، كان بيختفي كل ما أحاول أركز نظري عليه. أحمد كان حاسس بنفس التوتر، مسك إيدي وقال بصوت واطي
مريم، خلينا نخرج من هنا بسرعة، ياسين مجهز لنا عربية تانية خالص عشان محدش يتبعنا.
خرجنا من الباب الخلفي، ركبنا العربية، وفي الطريق للمخبأ، كان الصمت سيد الموقف. كنت بفكر في حماتي، في الحاج محمود، وفي نهى اللي حياتها انتهت في لحظة بسبب طمعها. فجأة، التليفون في العربية رن. كان رقم خاص. رديت، وسمعت صوت مألوف جداً، صوت خلاني أتجمد في مكاني.
مريم... يا بنتي.
ده كان صوت الحاج محمود. صوت كان مليان تعب وكسرة.
عمي؟ إنت فين؟ إحنا بندور عليك!
أنا في البيت... بيت العيلة القديم اللي كل الناس نسيته. كنت مستني اللحظة دي عشان أقولكم السر الأخير. مريم، أحمد، لازم تيجوا دلوقتي... قبل ما الناس التانيين يوصلوا للملفات اللي كنت مخبيها في خزنة سرية تحت بلاطة في أوضة المكتب.
أحمد بصلي بلهفة
بابا بيقول إنه في البيت القديم! لازم نروحه يا مريم.
بس ده خطر! يا أحمد، لو هما عرفوا مكاننا، أكيد هيكونوا مراقبين البيت القديم.
ما عنديش اختيار تاني. ده والدي، ومش هسيبه يواجه مصيره لوحده.
غيرنا المسار، والسواق كان بيمشي بسرعة جنونية في الشوارع الفاضية. وصلنا للبيت القديم، كان المكان ضلمة، ريحته تراب وذكريات. دخلنا بحذر، والجو كان تقيل. لقينا الحاج محمود قاعد على كرسيه القديم في المكتب، وشه كان شاحب جداً، وعيونه بتلمع بدموع ندم.
أحمد... مريم. سامحوني. أنا اللي خربت حياتكم، وأنا اللي خليت نهى تكبر على الطمع.
أحمد جري عليه وحضنه
يا بابا، كل ده فات، المهم دلوقتي إنت بخير. فين الملفات اللي قلت عليها؟
الحاج محمود شاور بإيده على مكتبه، ورفع سجادة صغيرة كانت تحت رجله. كان فيه صندوق حديدي صغير.
افتحيه يا مريم. إنتي اللي اتعلمتي تحسبي وتراجعي... إنتي اللي تستاهلي تعرفي الحقيقة الكاملة.
فتحت الصندوق، كان فيه أوراق رسمية، صور، وكمان مفتاح لمخزن في المنطقة الصناعية. الحاج محمود قال بضعف
المخزن ده فيه كل الأدلة اللي بتثبت إن الشركة اللي نهى كانت بتشتغل معاها، هي المسؤولة عن تدمير سمعة عيلة ياسين من البداية. مش بس كدة، فيه أسماء ناس كبار كانوا بيغطوا عليهم. ده مش مجرد ورق، ده قنبلة لو فجرتوها، هتطهر البلد من الفساد ده كله.
في اللحظة دي، سمعنا صوت صرخة خافتة من برة. كانت نهى! نهى كانت برا ومعاها تلاتة من الرجالة اللي شوفناهم في المؤتمر. نهى دخلت البيت، وشها كان مشوه من العصبية
فاكرين إنكم كسبتوا؟ إنتوا ما تعرفوش إن والدي هو اللي كان المخطط لكل ده من سنين، بس أنا اللي كملت اللعبة!
الرجالة قربوا مننا، وكانوا ماسكين أسلحة. أحمد وقف قدامي
ابعدوا عنهم!
نهى ضحكت ضحكة مجنونة
مريم، إنتي كنتِ فاكرة إنك ذكية؟ إنتي كنتِ مجرد كارت لعبت بيه عشان نغسل فلوسنا، ولما خلص دورك، كان لازم نخلص منك.
فجأة، نور البيت كله انطفا. سمعنا صوت تكسير زجاج، وصوت عربيات شرطة بدأت تحاوط البيت من كل ناحية. ياسين كان مجهز كل حاجة! ياسين دخل مع قوات مكافحة الإرهاب، وبدأ اشتباك سريع. في وسط الدوشة، نهى حاولت تهرب، بس وقفت قدامها.
بصيت لها وهي متكتفة، وقلت لها
اللعبة خلصت يا نهى. طمعك اللي بدأتيه، إنتي اللي هتدفعي تمنه.
الشرطة أخدت الكل، حتى نهى والرجالة. الحاج محمود اتنقل المستشفى، وكان معاه أحمد. أنا وقفت في وسط الصالة، بصيت للمكان اللي شفت فيه كل أشكال الذل والإهانة. البيت ده، اللي كان رمز للكابوس بتاعي، دلوقت بقى رمز للحرية.
بعد شهور من المحاكمات، صدر الحكم. نهى وشريكها خدوا أحكام مشددة، والحاج محمود، بسبب شهادته وتعاطفه مع الحالة، خد حكم مع إيقاف التنفيذ، وقرر يتنازل عن كل أملاكه لجمعيات خيرية، ويعيش بقية حياته في بيت صغير، بيدور على السلام.
أنا وأحمد؟ قررنا نبدأ من جديد. بعنا كل حاجة كانت بتربطنا بالماضي، وسافرنا لمدينة تانية، مدينة هادية، وبدأنا مشروعنا الخاص. مش فلوس، لا، ده مشروع لتمكين الستات اللي بيتعرضوا للاستغلال.
في يوم، وأنا قاعدة في المكتب بتاعي، ماسكة قلمي، وببص لشباكي اللي بيطل على شجر أخضر بدل أسوار البيت القديم، لقيت ابني الصغير داخل عليا، ماسك لعبة وبصلي بابتسامة براءة.
أحمد دخل المكتب، حط إيده على كتفي
بتفكري في إيه يا مريم؟
ابتسمت، وضميت إيده لإيدي
بفكر في إن الوجع اللي عشته، كان هو اللي خلاني أنا. بفكر في إن كل قلم اتضربته، كان درس علمني إزاي أقف، وإزاي أدافع عن حقي.
والسر؟ السر اللي كان تحت الترابيزة؟
ضحكت من قلبي
السر اللي كان تحت الترابيزة مش مجرد ورق، يا أحمد. السر كان إحنا. إحنا اللي قررنا نكسر دايرة الظلم، وإحنا اللي قدرنا نكتب نهاية تانية لقصتنا.
حسيت بسلام جوايا ما كنتش متخيلة إني أوصله. الحياة مش دايماً وردية، والناس مش دايماً طيبة، بس طول ما إنتي عارفة قيمتك، وطول ما إنتي متمسكة بحقك، لا حماتك ولا أخت جوزك ولا أي حد في الدنيا يقدر يكسر مريم.
قمت وقفت، بصيت في المرايا، شفت ست قوية، ناجحة، وأم، وزوجة قدرت تنتصر في حربها الخاصة. خرجت مع أحمد وابني نتمشى في الجنينة، وكانت الشمس بتغرب، زي ما غربت كل أحزاني، وبدأت شمس جديدة، شمس حقيقة، وشمس حياة... حياتي أنا.
النهاية.

تم نسخ الرابط