فـي غيـاب الأم ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

لمحة نيوز

الفصل الأول
أنا عمري ما كنت أتخيل إن فيه أم ممكن تيجي عليها لحظة وتسيب ولادها بالشكل ده. لحد النهارده، كل ما أبص في وشوش عيالي وهم نايمين، أسأل نفسي نفس السؤال... هو إيه اللي يخلي أم تسيب ضناها وتمشي؟ أنا راجل بسيط، بشتغل من الصبح لآخر النهار عشان أوفر لقمة عيش حلال. يمكن مش غني، ويمكن حياتنا كانت فيها ضغوط كتير، لكن عمري ما قصرت في بيتي على قد استطاعتي. في يوم، حصل بيني وبين مراتي خناقة زي أي خناقة بتحصل بين أي اتنين متجوزين. زعلت... وقالت إنها رايحة عند أهلها كام يوم. افتكرت إنها هتهدى وترجع. لكن اليوم بقى أسبوع... والأسبوع بقى شهر... والشهر بقى خمسة شهور كاملة. خمسة شهور وأنا داخل خارج على بيت أهلها، مرة أترجاها، ومرة أكلم أبوها، ومرة أكلم أمها، ومرة أخواتها. كل مرة نفس الرد... "هي مش عايزة ترجع." كنت راجع كل مرة مكسور. لكن اللي كان بيكسرني أكتر... عيالي. بنتي الكبيرة كانت كل يوم قبل ما تنام تسألني: "بابا... ماما هترجع إمتى؟" وأنا أكدب عليها وأقول: "قريب يا حبيبتي." وأدخل أوضتي أعيط لوحدي. الدنيا اتقلبت فوق دماغي. شغلي... البيت... الأكل... الغسيل... المذاكرة... كل حاجة بقيت بعملها لوحدي. بنتين من عيالي بدأوا يغيبوا عن المدرسة. كنت أحاول ألحق كل حاجة، لكن الإنسان له طاقة. الغياب زاد... وجت الامتحانات. دخلوا الامتحان وهم نفسيتهم محطمة. والنتيجة... سقطوا. اليوم اللي استلمت فيه النتيجة، بنتي فضلت تبكي وهي بتقول: "لو ماما كانت موجودة... ماكنتش هسقط." الكلمة دي كسرت قلبي. أما ابني الصغير... فكان محتاج جلسات علاج بشكل مستمر. كل أسبوع ألف على المستشفيات والمراكز. وأرجع شايله على كتفي وهو تعبان. ولا مرة سألت عليه. ولا مرة اتصلت تعرف أخباره. ورغم كل ده... مكنتش عايز أطلق. كنت بقول لنفسي: "يمكن ترجع... يمكن الأولاد يعيشوا وسط أمهم وأبوهم." فضلت أحاول. وأحاول. وأحاول. لحد ما أهل الخير دخلوا بينا. وقعدوا معانا ساعات طويلة. وفي الآخر... وافقت ترجع. أنا وقتها حسيت إن ربنا استجاب لدعائي. قلت خلاص... البيت هيلم نفسه. ولادي هيفرحوا. فعلاً أول يوم رجعت فيه... العيال حضنوها بطريقة تقطع القلب. ابني الصغير فضل متعلق في رقبتها. وبنتي الكبيرة كانت بتبوس إيديها وهي بتقول: "خلاص يا ماما... ماتسبيناش تاني." وقتها دموعي نزلت غصب عني. قلت لنفسي: "انسى اللي فات." عشان أثبتلها حسن نيتي... روحت اشتريت لها موبايل جديد. وكان معايا مبلغ محوشه بالعافية. لكن صرفته كله. وجبت كمان خاتم دهب. مش لأنها طلبت. لكن كنت عايز أفرحها. كنت بقول يمكن تحس إني مقدرها. يمكن تبدأ صفحة جديدة. يمكن البيت يرجع زي الأول. أنا حتى كنت باجي على نفسي. وأوفر من أكلي وشربي. بس عشان البيت يستقر. مر أسبوع. كنت فاكر إن الدنيا بدأت تضحك لنا. وفجأة... قالتلي: "أنا مش هقعد هنا." استغربت. قلت: "ليه؟" قالت: "هاتلي شقة لوحدي بعيد عن أهلك." مع إننا أصلًا ماكنّاش عايشين مع حد. لكن قلت يمكن ده اللي مضايقها. لفيت لحد ما لقيت شقة إيجار. دفعت مقدم. وأثثتها باللي أقدر عليه. ونقلنا. قلت الحمد لله. خلاص المشاكل انتهت. لكن أول ما دخلنا الشقة... بدأت المشاكل من أول يوم. كل يوم طلب جديد. كل يوم خناقة جديدة. ولا أي حاجة تعجبها. وبعد أقل من شهرين... قالتلي وهي واقفة قدامي بكل برود: "أنا عايزة أطلق." افتكرت إنها بتقولها وقت عصبية. لكن بعدها بيوم... تليفوني رن. كان أبوها. قاللي: "تعالى." روحت وأنا قلبي بيخبط. دخلت البيت. لقيت أهلها كلهم قاعدين. بصلي أبوها وقال بمنتهى البرود: "خد عيالك." استغربت. قلت: "يعني إيه؟" قال: "هي مش عايزاهم." افتكرت إني سمعت غلط. بصيت عليها. كانت قاعدة ساكتة. قلت: "إيه الكلام ده؟" ردت بكل هدوء: "أنا مش هربي حد." في اللحظة دي... العيال كانوا واقفين جنبها. أول ما فهموا إنها بتمشي وتسيبهم... بنتي الكبيرة حضنت رجلها وهي بتعيط. وقالت: "ماما... والنبي ماتسبيناش." وأختها الصغيرة مسكت إيدها. وابني فضل يصرخ. لكن اللي حصل بعدها... أنا مستحيل أنساه طول عمري. زقت بنتها بإيديها. وقالت بعصبية: "امشوا مع أبوكم." البنت وقعت على الأرض وهي بتعيط. وأختها جريت عليها. أما ابني... ففضل يمد إيده ناحية أمه وهي بتبعده عنها. وقفت مكاني... مش قادر أستوعب. إزاي؟ إزاي قلبها استحمل المنظر ده؟ خرجت من بيت أهلها... وأنا ماسك إيد عيالي التلاتة. كل واحد فيهم بيبكي بطريقة مختلفة. ومن اليوم ده... بقالي شهرين. أنا

تم نسخ الرابط